ما زال الحديث موصولاً عن الدروس المستفادة من هجرة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ونستكمل ما بدأنا به ونقول .
🌾رابعا: درس في حب الأوطان:
قبل مغادرة مكة وقف رسول الله ﷺ على رابية صغيرة في أحد أسواق مكة، واتجه ببصره إلى الكعبة المشرفة يودع أحب بقاع الأرض إلى الله تعالى وإلى قلب خاتم أنبيائه ورسله قائلا:
"والله إني لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إليّ، وأنك أحب أرض الله إلى الله عز وجل وأكرمها عليه، وإنك خير بقعة على وجه الأرض، وأحبها إلى الله تعالى ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت".
🌾خامسا: درس في حب رسول الله ﷺ:
سار رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر على الأقدام مسافة تقدر بحوالي عشرة كيلومترات في الاتجاه إلى غار ثور، إلى الجنوب من مكة وقد حمل أبو بكر معه كل ثروته، ولم يترك لأبنائه منها شيئاً، وأبو بكر خائف على رسول الله من أن تلمحه عين من أعين كفار ومشركي قريش، فتارة يمشي أمامه وتارة يأتي خلفه، وثالثة عن يمينه، ورابعة عن يساره، فسأله رسول الله عن ذلك فقال:
"يا رسول الله! أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك، لا آمن عليك".
وبعد صعود جبل ثور، وهو جبل شامخ الارتفاع، صعب المرتقى، كثير الأحجار الصلدة الناتئة، وصل النبي وصاحبه إلى فم الغار، وهم ﷺ بالدخول إلى جوفه فسبقه أبو بكر قائلا:
"لا تدخل يا رسول الله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك ".
دخل أبو بكر إلى جوف الغار، ودار على جوانبه يتفحصها، فوجد فيها جحورا كثيرة، فشق ثوبه، ومزقه قطعا دار بها على جحور الغار يسدها بخرق الثوب، وبقى جحران متقاربان لم يجد لديه ما يسدهما به، فاستلقى على أرض الغار مواجها هذين الحجرين اللذين سدهما بقدميه خشية أن يكون بهما من الهوام ما قد يؤذي رسول الله ﷺ ثم نادى عليه فدخل ووضع رأسه على أحد فخذي أبي بكر ونام من شدة الإجهاد.
صدق حدس أبي بكر فقد فوجئ بحية تلدغه من أحد الجحرين اللذين سدهما بقدميه، فتحمل آلام اللدغ ولم يحرك قدمه حتى لاتخرج الحية فتؤذي رسول الله ﷺ، ولكن الألم زاد عليه فبدأ يبكي بكاءً مكتوماً من شدة الألم، وسقط شيئ من دمعه رغما عنه على وجه رسول الله فتنبه مستيقظا سائلا:
"مالك يا أبا بكر؟ فقال: لدغت يا رسول الله فداك أبي وأمي"، فعالج رسول الله مكان اللدغة فشفيت.
ولما جاء وقت الفجر، ووصل نور النهار إلى قلب الغار لاحظ رسول الله أن أبا بكر لا يلبس الثوب الذي كان عليه حين خرجا من مكة، فسأله عنه فأخبر بأنه مزقه ليسد به جحور الغار خوفا من الهوام، فرفع النبي ﷺ يديه إلى السماء قائلا:
"اللهم اجعل أبا بكر في درجتي يوم القيامة".
مكث رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار ثلاث ليال حتى يأمنا الطريق إلى يثرب.
وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بالأخبار ليلا، ويبيت عندهما حتى السحر، وكانت أسماء تأتيهما بالطعام والشراب لتعود مع أخيها قبل طلوع الفجر، وكان مولى أبي بكر عامر بن فهيرة يرعى خارج مكة ليعفي على آثارهما.
🌾سادسا: درس في معية الله تعالى لعباده المؤمنين :
شّمرت قريش عن سواعدها في طلب رسول الله ﷺ وصاحبه ، وجندت كل إمكاناتها في سبيل تحقيق ذلك ، وقررت إعطاء مكافأة قدرها مائة ناقة عن كل واحد منهما ، لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين كائنا ما كان .
وأملا في الحصول على تلك المكافأة السخية جَدَّ كل من قصاصي الأثر والفرسان في طلب المهاجرين الكريمين ، وانتشروا في كافة الأودية والجبال المحيطة بمكة حتى وصل بعض المقتفين للأثر إلى فتحة غار ثور، وقالوا:
"والله ما جاز مطلوبكم هذا المكان".
سمع أبو بكر هذا الكلام فبكى بكاء مكتوما هامسا لرسول الله بقوله:
"والله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا ، لو هلك أبو بكر لهلك فرد واحد ، أما أنت يا رسول الله لو هلكت لذهب الدين ، وهلكت الأمة ، والله ما على نفسي أبكي ، ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره" .
فطمأنه رسول الله ﷺ قائلا :
"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟
لا تحزن إن الله معنا".
وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى:
إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .
التوبة: 40
وقد كان رسول الله ﷺ واثقا من معية الله تعالى لهما ، فقد أوحى إلى شجرة أن تنحاز إلى فم الغار لتسده ، كما أوحى إلى كل من أنثى العنكبوت أن تنسج نسيجا يطبق على فم الغار ، وإلى حمامتين أن تبيضا وتفرخا بالوصيد مما جعل كلا من المطاردين وقصاصي الأثر ينبذون الرأي القائل بأنهما قد دخلا إلى جوف غار ثور ، فعادوا أدراجهم خائبين بعد أن صرف الله أنظارهم عن المهاجرين الكريمين .
ولما هدأ الطلب اتجهت أنظار الكافرين إلى شمال مكة ، فجاء عبد الله بن أبي بكر بالراحلتين وبالراعي والدليل وكان ماهرا بالطريق إلى المدينة ، وكان على دين مشركي قريش ولكنه عاهدهما على ألا يخون الأمانة.
وأتتهما أسماء بزاد رحلتهما ، فخرج رسول الله وصاحبه من الغار فقدم له أبو بكر أفضل الراحلتين وأصر رسول الله على دفع ثمنها فركبا وانطلق سالكين طريق الساحل إلى المدينة ، على الرغم من أنه أطول من الطريق الجبلي هروبا من مطاردة المطاردين .
يتبع ..

Post A Comment: