الكاتبة المغربية / فاطمة الزهراء الخَبِز تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "أَنِينُ المُجتمع" 


الكاتبة المغربية / فاطمة الزهراء الخَبِز تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "أَنِينُ المُجتمع"


لم أكن أعرف أن للمجتمع لُغته وشفرته  للتعبير عن ألمه من أفراده، حتى اتخذتُ الصمت رفيقا، منحني عالمه ما كنت أحتاجه من تأمل وقدرة على التحليل، انكببت على مكاشفة  محيطي البسيط  ومنه إلى عالم المجتمع الرحب. 

كان الجو باردا، ارتديتُ ملابسي الشتوية ولم أنْسَ

المِعطف الصوفي الطويل،  لونه الأسود يبعث  على الحزنِ. وضعتُ  رأسي داخل قبه، ويدي في جيب المعطف تحتمي من لسعات البرد الصباحية، غادرتُ المنزل لأتسكع في أرجاء تلك المدينة المكتظة. من زُقاقٍ لآخر، من درب لدرب، 

أمطرتِ السماءُ فجأة، والناس على الرصيف يسرعون، يقصدون  المنازل ومقرات الشغل، ومنهم من يجري بلا اتجاه. 

أطفال يستمتعون تحت المطر مشياً وركضاً، وشباب يمشون بخطوات مسرعة، تأملتُ وجوههم فوجدتُ في بعضها شحوباً كأرواحٍ في أجسادَ ميتة، والوجوه الأخرى تعتريها ابتسامات وتعابيرُ تبعث الرضا في النفس وتنشرُ السرور.

تابعتُ خطاي على مهلٍ مُستمتعة برائحة المطر وصوته المرتطم   على زجاج  نوافذ العمارات والمنزل ، وعلى حين غرة التفتت في ذهول لفتاة تبدو في العشرينيات، 

تعرض وجهها لقطرات المطر فاتحة فمها مغلقة عينيها،وجه يغلب عليه التعب، خال من مساحيق التجميل، ترفع أكفها للأعالي مصدحة :معاناة! ما بعدها معاناة! حياة غير عادلة من نصيبي! ماهذا يا رباه! 

جعلتني عبارتها تلك أمام سرداب من الأسئلة، لم أُعر الأمر اهتماما كي لا يُفسِد علي مِزاج اللحظة، سرت متمتما بعض الكلمات، رمقت طِفلاً يحاول مساعدة رجل عجوز على تجاوز عثرة، اتجهتُ نحوه للمساعدة، أمسك الطفل يد العجوزِ فأثارني المشهد البسيط، تجاعيد تُلخص عُمراً كاملا  من القساوة و المعاناة ومن  الأفراح والمسرات ، تجاعيدُ كثيرة تعبر عن اقتراب النهاية نسبياً، 

"ذلك العجوز كان يوما طفلاً، لا ينفك يعود بالذاكرة  لأيام  طفولته , وذلك الطفل يستغرب كيف يمكن للزمن أن يُحني ظهر المرء، ويملأ جسدهُ تجاعيداً، ويُفقِدهُ القدرة على الموازنة بين خطواته،.." 

بقيتُ صامتةً حتى ساعدنا الرجل، وأكملت السير وفي داخلي سؤال كبير أجهله-لكن أشعر به. 

اشتد المطر واشتدت رغبتي في المشي تحته، وفي رُكن أحد الأزقة آثار انتباهي "جزء من المجتمع يبكي" مزّق أنينه أطراف قلبي وجعله ينزِف حرقة، 

استجمعت قواي لأخبئ تلك الدموع التي اشتاقت لاتخاذ خدي نهراً بعد فُقداني الشغف في كل شيء. 

بين تردد وتردد وضعتُ يدي على كتفِ المرأة البالية ثيابها، لم تراني بداية، كانت تتوسد لرأسها  ابنها  الصغير حجزها،  تضمه لحضنها  لتقيه من لفحات هذا الزمهرير المطبق،  شعَرت بيدي على كتفِها فنظرت إلي ودمعات مجمدة على خدها، هممت بقول كلمة لها ، فدوى صوت  إحداهن من الأعلى تهم بإغلاق  نافذة بيتها :"ابتعدي عنها إنها امرأة سيئة"

خلعتُ معطفي وقدّمته لها، لفت به ابنها مبتسمة، روت لي ما روته من معاناة قاست ظروفها لترميها تحت هذه الجدران الايلة للسقوط ،  اصغيت لها باهتمام، لم أستطع تركها،  بادرت للتواصل  مع رئيس جمعية مهتمة  بمساعدة الأشخاص بدون مأوى فتكلف بمساعدتها وأصبحَت فرداً من أسرة الجمعية.

عدتُ أدراجي إلى المنزل، وكم هائل من الأفكار والتساؤلات يعتري تلك المنطقة الصغيرة جدا، من دماغي لا زلت أتساءل كيف تُخزن كل هذا الزخم من الأفكار! لم أفهم يوماً كيف يمكن إحصاء كل تلك العلاقات التي تنتج مشاكل اجتماعية عويصة كهذه وكيف يظلم المجتمع فئة ويرفع أخرى... سرتُ متأملة خُطاي مثقلة بهم المجتمع وأفراده فقلت:ليتني لم أخرج من المنزل، فما كان خروجي منه إلا دعوة  لأكتب !





Share To: