قصة (محاربُ كوباني)
بقلم الكاتب يحيى أبو نور


                        

حتى لا ننسى حروبنا، الحروب التي دمرت الإنسان فينا، هذه إحدى القصص التي كتبتها قبل سنوات ... 
 
 (محاربُ كوباني) 
                                    #يحيى_أبو_نور 
     كانت الشمس تتأهب للمغيب.. لقد أمضى ثائر يومه الثالث في العراء دون أن تصل إلى جوفه قطرة ماء.. لملم قواه.. نهض.. ثم خطا خطوات متثاقلة وساقه اليمنى لازالت تنزف دما.. استلقى على رابية تطل على مدخل المدينة وسط أكوام من جثت متفحمة.. كانت رائحتها المتعفنة تتطاير في كل مكان وتنبعث إلى أطراف المدينة التي هجرها أهلها منذ اندلاع هذه الحرب اللعينة.. أخرج سيجارة من جيبه - كانت ما قبل الأخيرة على ما يبدو - وأخذ يداعبها بنشوة غير اعتيادية غير مبال بالمشهد السريالي الذي كان يحيط به وكأنه ألف الحياة بين الجثث.. نفث دخان سيجارته الى أعلى وهو يبث شكواه إلى السماء. ثم زمجر قائلا:
     لست أدري كيف انخرطت في هذه الحرب القذرة!؟ ولا كيف رمت بي الأقدام فجأة لأجدني في الخطوط الأمامية أحمل على كتفي بندقية غير بندقيتي وأدافع عن قضية غير قضيتي.. لا الوطن موطني.. ولا الطريق طريقي.. ولا الدرب دربي.. الأمس مظلم والغد مجهول ..
    بالأمس، كان حلمي أن أصبح مجرد ممرض يزرع الأمل في نفوس البائسين.. ويرسم البسمة على شفاه المرضى اليائسين.. ويسعف الجرحى والمعطوبين.. ويشرف، كطبيب ناجح، على حياة طفل ودع أمه وهو يتمرغ في دمائها العطرة.. وعند أول الليل، عندما يختلي كل خليل بخليله، أرتمي كالعاشق المدلل في حضن رافضة لنتبادل أطراف القبلات.. كما كنا نفعل عند أول الغرام، خلسة تحت أجنحة الظلام..
      كان حلمنا، بالأمس القريب، أن نعيش في حب وسلام تحت سقف واحد.. ضجرنا من تُرهات المقاهي وأحاديث الأعين الجارحة.. أعيانا المشي في الطرقات دون هدف ودون اتجاه كطفلين تائهين..
  آآآه !!! كم تمنيت أن أهدهد رافضة على سرير فاخر وهي تخيط لباس طفلنا الذي مات في رحم الأقدار!!
  لمح سيارة رمادية فاخرة تسير بسرعة فائقة هنالك على الطريق.. فأسرع يلوح بيديه عله يثير انتباه السائق.. لكن كان ذلك عبثا.. استسلم لقدره يكابد جرحه في صمت.. واسترسل يعيد شريط ذكرياته الأليمة.. 
      تبخرت أحلامي.. فصارت مجرد كوابيس تطاردني في عتمة النهار... كثرت همومي وأحزاني.. تجرعت من كؤوس العذاب جرعة جرعة لوحدي.. واشتعلت بغياهب صدري نار وتأججت جمرات غضبي عندما رأيتها بأم عيني في حضن ابن عمها ذات مساء..
      بعد مرور السنين، مات الأمل .. مات الألم.. وأمسى الحب مجرد كومة من رماد.. صرت أمشي متثاقلا، خطوة خطوة، نحو هذا الغد المجهول..
  آآآه !!! ما أصعب المسير في طريق مظلم بدون هوية.. بدون حتى بدرة من حلم أحملها بين جنبي.. حملت كتبي ودفاتري على ظهري منذ نعومة أظافري.. ولما ظهرت بوادر الشيب على مفرقي حملت حقيبتي و"شهاداتي" وطرقت باب الحظ علني أفلت من براثن الفقر والبؤس اللذين أحكما قبضتهما على إنسان أذنب حينما أتى الى هذا العالم مكبل اليدين حافي القدمين..
       رمى بالبندقية التي لازمت كتفه طوال هذه الحرب اللعينة.. وأخذ سيفا كان لا يزال بحقيبته.. وقف وقفة محارب منتصر.. تقدم بخطوات ثابتة والألم يقطع جسده إربا إربا.. أشهر سيفه في وجه هذا العدو الذي بداخله.. تقدم بخطى متثاقلة وكأنه في وضعية "رجل مريض".. وتبادلا الطعانات: 
- "تبا لكم! خسئتم! خسرتم "الحرب" يا قادة !" 
- " خسرتم "الثورة"
- " بل انتم من حولها الى مجرد أشلاء تعبث بها رياح هوجاء في شوارع أحمد عرابي باشا.. حكمتم علينا غيابيا بالإعدام.. وصوبتم رصاصكم المطاطي وغير المرئي نحو صدورنا.. وألقيتم بترساناتكم على أجسادنا النحيفة حتى من قبل أن تبدأ الحرب.. فسقط الإنسان شهيدا.. " 
- "مات الإنسان فيكم.. "
- " بل ماتت ضمائركم يا سادة.. وتورمت جثتكم وتحللت حتى من قبل أن توارى التراب!! "
      في هذه الأثناء، سمع صوت رصاص يدوي في السماء.. رمى ببصره الى الأفق فإذا بالسيارة الرمادية تجوب المكان وتتفقد حال الجثث.. وبكل ما أوتي من قوة، انهال على العدو بداخله الذي لازال ينزف دما حتى سقط صريعا.. فأطلق صرخة مدوية في السماء : 
- " لست بلاجئ.. ولن أكون مجرد سجين في عالم أساق فيه من سياج إلى سياج .. لست بلاجئ لأعبر هذه الألغام حافي القدمين مكبل اليدين مغمض العينين.. أنا حر طليق !! أنا حر طليق !! لست أدري أ أنا حر طليق أم أمشي بلا قيود يا سادة!"



Share To: