- "أنقذ نفسك عاجلا!"، كتبتها على باب منزلي بطلاء أسود ودخلت مسرعا.
في طفولتي، كنت أتقمص شخصية مرعبة نهاراً لألهو مع إخوتي، فتملأ ليلي كوابيسَ. أخيف بها إخوتي لنضحك ولكنها تقتلني في الليل رعبا. كبرت معي هذه العادة فصرت أخترع أشياء لا وجود لها. مرّة قلت لنفسي: "أنت لست هنا"، ومن يومها وأنا أحاول أن أعود هنا لأتعرّف أبي وأمّي وأرى ما فعل الزمن بهما، وأسعى للقاء إخوتي وزوجتي وولدي وابنتي بلا فائدة. افتقدت مدينتنا الجميلة التي لم أغادرها قط في الحقيقة، ولكنني لم أعد أرى منها شيئا، لأنني لم أعد هنا.
أمس أيضا كتبت تلك الجملة على الباب وعدت ضاحكا. أجمل الأدوار هي التي نخترعها بأيدينا لتنطلي علينا. كنت أقهقه في البيت وكانت زوجتي مستغربة ولكنني لم أجبها لأنني لم أكن هنا. في المساء تساءلت: "لا يمكن للإنسان أن يقوم بأي فعل إذا لم يكن فيه نصيب من الحقيقة"، وزادت وساوسي: "لا شكّ في أن تلك الجملة حقيقية". لما غربت الشمس تأكدت من أنّني مهدّد وأنني معني بتلك الجملة. لم تنفع محاولات غسلها، ولم يكن لي الاستعداد لطلاء الباب من جديد، بل إنني قلت: "لقد انطبعت في ذهني، وأنا مهدّد وانتهى الأمر. لا فائدة من محوها أصلا. عليّ أن أنقذ نفسي فعلا". رحت أراجع سجلّ ديوني فلاحظت أنني سدّدتها جميعا، ولا أحد له عندي مليم واحد، إذن لا خطر يأتي من هذه النّاحية. فكّرت في الّذين قذفوني بالحجارة في آخر سفرة لي فتذكرت أنني صالحتهم، صالحت حتى أولئك الذين بتروا ساقي انتقاما من موقفي الرافض لشرب الشاي وقوفا في الطريق العام. إذن ما الذي بقي؟ راجعت كتاباتي حرفا حرفا، فلم أجد فيها عداوة تذكر، ولا كلمة قد تثير حفيظة التتار في المدينة. كنت غارقا في تفكيري حتى طرق الباب طرقا مرتبكا. قلت: "ها قد جاؤوا قبل أن أنقذ نفسي.. اللعنة!". ألحّ الطّارق فخرجت سيرا على أطراف عكازي وأصابع قدمي الوحيدة، وفي يدي عصا غليظة (لا أعرف لماذا يخاف الإنسان فقط من الأشياء التي تُضرب بالعصا!)، فإذا هو صوت امرأة. قالت لي: "أنت من كتب هذا؟" فحركت رأسي بالإيجاب كمن يعترف بجريمة. قالت: "رأيتك البارحة تكتبها في حلمي"، وتابعت: "كنت تلبس سروالا قصيرا وقميصا مرقّطا.. سمعتك تضحك من نفسك عاليا".
لم أجد عبارة أعلق بها، كمن ضبطته الشرطة وفي يده مسروق. أضافت: "أنا أيضا أشعر بأنه عليّ أن أنقذ نفسي". أحسست لأول مرة أنني أضع قدما في المدينة بعد أن صار فيها من يشاركني هذا الإحساس الغريب. قلت لها: "إنها مجرد لعبة من بقايا طفولة ضائعة. ربما لم أشبع من طفولتي فأواصل أحيانا ألعابها". ولكنها قالت بحسم: "لا، إنها حقيقة. البارحة اتصلت بي صديقة من نيويورك تخبرني بأنها وجدت العبارة نفسها مكتوبة على بابها بالعربية، فترجمتها لها. وأخبرتني أنها رأت في حلمها قصة تشبهها في العراق. أحد الشبان في حي من أحياء بغداد وجد مشنوقا في منزله بعد ثلاثة أيام من رؤيته جملتك مكتوبة على بابه بطلاء أسود".
تركت جارتي عند الباب ودخلت مذهولا أجر قدمي جرّا. في الصّالة كانت مذيعة الأخبار تقرأ خبر اغتيال رسام في الإكوادور، والشاشة تعرض صورة باب منزله وقد رسمت عليه جملتي بوضوح نادر. اتصلت بصديق لي في سوريا، فأخبرني مذعورا بأنه عثر هذا الصباح على جملة لعينة بالأسود مكتوبة على باب بيته. فقطعت الخط.
لم أنم ليلتها. أقفلت جميع النوافذ والأبواب بالمفتاح وأسندت كنبة وثلاجة على الباب الرئيس، وأطفأت الأضواء وظللت أنتظر، غير أن الباب لم يطرق، ولا حركة تثير الريبة. ليلتها رأيت المدينة خالية. رأيت النسوة يفقدن في كل مرة قريبا يجدن على بابه "أنقذ نفسك". فكّرت: على الإنسان أن يفعل شيئا ما لينقذ نفسه. ولكنني لم أجد سبيلا مناسبا مادامت جهات الأرض كلها قد أصابتها لعنة جملتي. اتصلت بصديق قديم لم تعد تربطني به علاقة منذ عشرة أعوام. مازلت أحتفظ برقم هاتفه. لا أحد سواه يمكن أن ينقذني من الورطة اللعينة. كان هاتفه يرن طويلا دون أن يردّ عليّ أحد.


Post A Comment: