الهادي تلميذ في المدرسة الابتدائية،قوي البنية،طويل أكبر من أقرانه،يرفع الطاولة ويغيرها من مكانها بسهولة وكأنها كرسي صغير،يتعجب تلاميذ قسمه لقوته،لكنهم يخافون لكمته وعنفه،إعجابهم بقوته يقابله خوف من بطشه تتجه العيون إليه وسرعان ماتنزل للأرض لاتقاء الشر وخوف العقاب،خاصة للتلميذ الذي لم يقدم الضريبة أو الجزية،تفاحة،اوحبة موز أوبعص الحلويات مما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، يقدمها التلاميذ لشراء السلم والعافية من ناحيته،وهذه الهدايا توفر لهم كذلك الحماية من اخطار وظلم الآخرين فالهادي يكون الحارس الأمين يدافع على كل من لاينساه ويكرمه،فيكون body garde خاصة للذي يقدم أكثر وأحسن ،وكثيرا مايدفع البعض في السلالم يسقط التلميذ وينهض باكيا تارة ساكتا وتارة شاكيا للمعلم بعد جمع الشجاعة ،مد يدك ويضرب المعلم يد الهادي بالمسطرة عدة مرات والهادي واقف بطوله بدون استعطاف ويتعب المعلم ويسيل عرقة ويغضب أشد الغضب لأن الهادي لم يتزعزع ولم تتحرك له شعرة ويحس المعلم بفشله لم يسمع البكاء والتوسل كبقية التلاميذ ويتركه، اذهب لمكانك هيا! هيا! وتسجل ذاكرة الهادي كل من ضحك أو ابتسم أو يبدو راغبا عندما ضرب، سينتقم نعم سينتقم وكل ضربات المعلم يهديها لهؤلاء ،كان يشد لحيته بيده ويحملق في البعض ،فينزل هؤلاء رؤوسهم على المناضد،آه ماذا يفعل القرش مع الأسماك الصغيرة يلتهمها دفعة واحدة آه جوع الانتقام ويدق الجرس ويفر السمك الصغير ويخترق الصفوف ،وغدا أين تفرون لو دخلوا لبطون أمهاتهم لضمهم الهادي في كمشة واحدة .
صوروه بكل بشاعة وكل الأصابع تشير إليه ضوء أحمر ،حتى المعلم اتهمه بتكسير مرآة الدراجه الموبيلات وثقب العجلات لقد شك فيه ،لذلك يحتقره لم يسمع أبدا الهادي كلمة طيبة منه طيلة السنة الدراسية،لكن عمته عائشه أنصفته حينما كانت تقول: أمام بعض أولياء التلاميذ: مسكين الهادي ألا يكفيه ضرب أبيه بالحزام الجلدي ويترك لحمه أزرقا وكثيرا ماكان يهرب إليها فتصبره وتمسح دموعه وأحيانا كانت تضع  زيتا من مراهم للجلد وتدلك تلك البقع ،وتعطيه قطعة خبز بمربى الفواكه الذي يحبه، أبوه مريض لقد جندته فرنسا في الحرب الهند الصينية ومنذ مجيئه تأتيه نوبات عنف وغضب، وأحيانا يرتاح ويشتغل،الله يكون في عون الهادي المسكين،أبوه من جهة والمدرسة من جهة والفقر يحاصر العائلة هو الآخر،أعجبه دفاع عمته عائشه فهي تعلم كل أسرار.
جاءت آخر السنة وبدأت الاختبارات ،لكن الهادي لم يراجع دروسه كالعادة فهو لا يملك كل الكتب وبعضها ممزق ،ولم يراجع لضيق المسكن والخوف من إشعال المصباح ومن كلمات أبيه: تشعل الضوء وأنا أدفع الفاتورة،ولكني أراجع إنه وقت الامتحان ،تسقط في البحر ،ومن فكر في عندما حملت البندقية وجرحت،وشربت مياه الاوحال واكلت الخبز اليابس الذي سكنه الدود.
نقل الهادي لمدرسة مجاورة لمشاكله ولتحصيله المتدني حسب رأي واقتراح المدير،وجاءت السنة الجديدة ،ولقي الهادي مفاجآت لم يكن يتوقعها حتى في الأحلام ،علم المعلم بحالته الاجتماعية وأخبر التلاميذ بذلك واوصاهم به خيرا ،وفي اليوم الثالث للدخول المدرسي دعاه المعلم الجديد وقال له: لقد حضر لك أصدقاؤك مفاجأة تعجبك انظر وقدم له كتبا جديدة ومحفظة كبيرة جميلة بألوان زاهية اشترك التلاميذ في ثمن شرأئها أما الكتب فكانت هدية المعلم ،وتلعثم الهادي واحمر وجهه وارتجفت ركبتاه وأطرق برأسه حتى لامست لحيته صدره ،لا يعرف اين هو ،اصحيح كل هذا له،إنها معجزة لا تصدق أمه ولا أبوه وبقي مغمض العينين ولم يفق إلا على صوت المعلم يناديه : ماذا تقول يالهادي ،اشكر زملاءك على الهدية، شكرا لكم، وماذا أيضا قل، أنا أح، ب، ،أنا أحبكم ، كلمة جديدة غير مألوفة لديه،زلقت وخرجت بدون برمجة،شك في هذه الكلمة إن شاء الله هي كلمة طيبة ،الشك لأنها مختبئة في اللاشعوره وظنها غير موجودة في قاموسه، شجعه المعلم وزملاؤه الجدد، وبقيت تلك الكلمات ترن في أذنه وتفعل مفعولها : أنت قادر، وباستطاعتك أن تفعل المستحيل، وانت طيب والله يعطيك كل ما تريد،فلا ينقصك الذكاء، ركز وتفوز،تلك هي كلمات المعلم في المدرسة الجديدة،وتغير حاله وتحسن أداؤه ،والمعلم يشكر ويبارك الخطوات ،أرأيت! قلت لك انت ذكي ولك القدرات ،وينجح الهادي في آخر السنة ويكون من الأوائل،وتقدم له الجوأئز ويفرح وتفرح معه عائلته وينتقل للتعليم المتوسط ثم الثانوي فالجامعة، ولم يعد عنيفا بل لطيفا ومحبوبا من للجميع، وبدأت أمه تفكر في زواجه وهو يقول عندما أتخرج من الجامعة وأجد وظيفة ،والام تقول إن شاءالله آمين يارب العالمين.




Share To: