(الجزء الثاني)
د . محمد سعيد شحاتة
المفاهيم المهيمنة على النص
لقد هيمنت على النص مجموعة من المفاهيم أصبحت حاكمة لسيرورته ومتحكمة في حركته صعودا وهبوطا، عبر تضاريسه المختلفة، وخطوط ملامحه التي قد تبدو متباينة أحيانا، وقد رصدنا في تحليلنا السابق ملامح هذه المفاهيم ولكن بصورة متناثرة أثناء حديثنا عن سيميائية العنوان، أو حديثنا عن حركة المعنى، وهنا سوف نتحدث عن هذه المفاهيم بصورة مكثفة؛ لتتضح بذلك ملامح النص أكثر، وتتكشف الرؤية الفكرية المتخفية وراء الصياغة اللغوية، والشكل الجمالي الذي اختارته المبدعة، وسوف نتحدث هنا عن مفهومين فقط من هذه المفاهيم كان لهما الحضور البارز، وهما:
1 – العجز: وقد تجلى هذا المفهوم من خلال استخدام ألفاظ محددة، بعضها مباشر، وبعضها غير مباشر، وتتوزع هذه الألفاظ لتشمل العجز المادي المتمثل في عجز الجسد، والعجز المعنوي المتمثل في عجز الروح، وحاجتها الملحة للارتواء النفسي والمعنوي، أما بالنسبة للعجز المادي/عجز الجسد فقد بدا واضحا في النص بحيث لا تخطئه العين، تقول ابتهال (مدت لي يدها لأنهض بها من المقعد فقد أتعبها طول الجلوس كما أخبرتْني، مشيت معها حتى السرير، أجلستها وأسندت ظهرها لقائمة) يتجلى العجز هنا من خلال ثلاثة ملامح، الأول في الإشارة الجسدية من مس كليوباترا لتلميذتها (مدت لي يدها لأنهض بها من المقعد) وقد كانت هذه الإشارة كافية لإبراز عجز كليوباترا عن النهوض بسبب كبر السن، وإجهاد الجسد، ولكن الكاتبة أرادت توكيد هذا المعنى فأردفت الجملة السابقة بجملة أخرى تمثل الملمح الثاني لتجلي العجز المادي، وهي إخبار مس كليوباترا تلميذتها بتعبها وإجهادها الجسدي (فقد أتعبها طول الجلوس كما أخبرتني) وجاءت جملة (كما أخبرتني) لتؤكد المعنى، ثم يأتي الملمح الثالث لتجلي العجز المادي/الجسدي في قولها (مشيت معها حتى السرير، أجلستها وأسندت ظهرها لقائمة)فالمساعدة هنا اشتملت على جانبين، مساعدتها في المشي حتى السرير، وهو دليل واضح جدا على عدم قدرة الجسد، والجانب الثاني إجلاسها، وإسناد ظهرها لقائمة، وهو يؤكد المعنى السابق، أما العجز المعنوي فقد بدا واضحا أيضا في أكثر من موضع في النص، ومن ذلك عجز ابتهال الواضح، واعترافها بذلك، أمام طلب أستاذتها، وهو في الحقيقة طلب معجز أيضا في بعض جوانبه، إذ تقول مس كليوباترا لابتهال (هل تستطيعين أن تأتي لي بولديَّ من أمريكا وإنجلترا؟ أن ترققي قلب ابنتي عليّ فتجعلَ زيارتها شهرية بدلا من ربع سنوية ؟ هل تستطيعين أن تعيديني لبيتي؟ لحريتي؟ لذكرياتي؟ لكن دون وحدة) ويشتمل كلام مس كليوباترا على جانبين، الأول طلبها من ابتهال أن تعيد لها ولديها من أمريكا وانجلترا، وأن تجعل زيارة ابنتها لها شهرية بدلا من ربع سنوية، وهذا الطلب على ما يبدو من استحالته الظاهرة فإن ابتهال يمكن أن تحاول فيه، وأن تُحدث تغييرا ما، وإن لم يكن جوهريا فإنه يعدُّ تغييرا بصورة أو بأخرى، سواء بإقناع الأبناء بحاجة أمهم لهم، أو بشكل آخر من الأشكال يمكن أن يغيِّر الوضع الحالي، وفي هذا الجانب من كلام مس كليوباترا يبدو العجز من ابتهال، وحتى الجملة الاستفهامية الواردة في الكلام هي استفهام تعجيزي، أي الغرض منه التعجيز، بمعنى عجز ابتهال عن تقديم المساعدة الحقيقية المطلوبة لأستاذتها، أما الجانب الثاني في كلام مس كليوباترا ففي قولها (هل تستطيعين أن تعيديني لبيتي؟ لحريتي؟ لذكرياتي؟ لكن دون وحدة) وهذا هو العجز الحقيقي الذي لا يمكن أن تقدر عليه ابتهال، وهو مرتبط أيضا بالجانب الأول؛ لأن عودتها إلى بيتها دون وحدة يستدعي عودة أبنائها، ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك، بل تريد عودة حريتها وذكرياتها أيضا، وقد عبَّرت ابتهال عن العجز في نهاية النص في قولها (وقفتُ عاجزةً وظلت أسئلتُها تدق في عقلي وتحيرني، ما الذي يمكن أن أقدمه لمس كليوباترا؟ حتى لو أقنعتُ ابنتَها بمتابعة زيارتها ربما تستجيب لي شهرا أو شهرين ثم تعود سيرتها الأولى)، لقد هيمن مفهوم العجز بصورة واضحة على النص بحيث لا يمكن إنكاره، أو التغاضي عنه أثناء تلقي النص.
2 – التغيُّر المفاهيمي والقيمي: يتجلى في النص التغيير المفاهيمي والقيمي الواضح للحياة المعاصرة، فمفهوم العلاقة بين الأبناء والآباء قد تغيَّرت بصورة واضحة نتيجة الارتباك الشديد في الحياة الاجتماعية، وسيطرة النهم المادي، والانغماس أكثر في تشابكات الحياة بكل ما فيها، وقد بدا ذلك واضحا في العلاقة بين مس كليوباترا وأبنائها، فلم يعد الأبناء يهتمون باحتياجات الأم الروحية والنفسية، أو معاناتها في هذه المرحلة من الحياة، حيث انهزام الجسد، وتراجع القوة والنشاط، ووسط هذا يزيد الأبناء معاناة أمهم، ليس بعدم مساعدتها في تخطي هذه المرحلة بكل جراحاتها فقط، ولكن بالابتعاد عنها وتركها تعاني الوحدة إلى جانب الانهزام الجسدي والنفسي، وقد بدا ذلك في حديث مس كليوباترا لابتهال (هل تستطيعين أن تأتي لي بولديَّ من أمريكا وإنجلترا؟ أن ترققي قلب ابنتي عليّ فتجعلَ زيارتها شهرية بدلا من ربع سنوية ؟) وكما أشرنا سابقا فإن الاستفهام في الجملة استفهام تعجيزي، وكأن مس كليوباترا بخبرتها الحياتية الطويلة تريد أن تبرز استحالة تغير الوضع من خلال تدخل خارجي ممثلا في ابتهال، وأن الأمر يحتاج إلى قناعة ذاتية من الأبناء وهو ما لن يتحقق؛ لأنهم منغمسون في تفاصيل الحياة المعاصرة، وهم جزء لا يتجزأ من هذه الحياة التي تشكل مفاهيمهم الحياتية، كما بدا ذلك أيضا في حديث ابتهال لنفسها في نهاية القصة (حتى لو أقنعتُ ابنتَها بمتابعة زيارتها ربما تستجيب لي شهرا أو شهرين ثم تعود سيرتها الأولى ؛ فالحنان لا يستجدى) فالعبارة تدل دلالة واضحة على التغير المفاهيمي والقيمي؛ فابتهال إذا استطاعت أن تقنع البنت بتغيير مواعيد زيارتها لأمها فإن ذلك لن يستمر طويلا، بل يمكن أن يستمر شهرا أو شهرين، ثم تعود الأمور لسيرتها الأولى؛ لأن البنت إنما تتصرف وفق مفاهيم عصرها وقيمه وآلياته، وإذا استطاعت ابتهال إقناعها فإن ذلك لن يطول؛ لأنه يمثل خروجا عن قاعدة العصر، ومنطق الحياة من وجهة نظر البنت، وقولها في نهاية جملتها السابقة (فالحنان لا يستجدى) يشير إلى أن الأمر يحتاج إلى قناعة ذاتية من البنت بأن منظومة المفاهيم والقيم التي تهيمن على فكرها تخلخل العلاقات الاجتماعية، وتمزق أنسجتها. على أن النص يقدم لنا نموذجا آخر معاكسا تماما، وهو نموذج المتمسك بمنظومة المفاهيم والقيم المحافظة على أنسجة المجتمعات، وقد تجلى هذا النموذج في ابتهال؛ فهي قد تذكرت أستاذتها بمجرد أن قرأت الاسم (حينما قدم لي المعاون دفترا بأسماء النزلاء وقفت أمام هذا الاسم طويلا، غير مصدقة ... ماجدة عزيز محمود، أتكون هي ؟) فلماذا تذكرت أستاذتها بالذات بمجرد قراءة الاسم؟ ثم يزداد الأمر وضوحا في شخصية ابتهال عندما تابعت قراءة البيانات لتتأكد أنها أستاذتها، ولم تتوقف عند مجرد المعرفة بل سعت إلى تقديم المساعدة لأستاذتها سواء المساعدة المادية من خلال مساعدتها في الوصول إلى السرير (مشيت معها حتى السرير، أجلستها وأسندت ظهرها لقائمة) أو المساعدة المعنوية من خلال تذكيرها بفترات جميلة في حياتها، وحب طالباتها لها، أو من خلال طمأنتها وتضامنها معها (أنا هنا ابنتك فلا تترددي أن تطلبي مني ما تريدين)، أو من خلال التألم لما آلت إليه حالها من انهزام مادي ومعنوي (أنا أبحث عن ملامح مس كليوباترا فيها فلا أجد إلا صورة باهتة منها، امتلأ جسدها الرشيق كثيرا، بدا وجهها في غطاء الرأس مختلفا، زحفت التجاعيدُ بقسوة للعينين اللتين تميزتا بكحلها الفرعوني – كانت هذه بالطبع أول مرة أرى هذا الوجه الشامخ بهذا الانكسار)، أو من خلال مواساتها (أخذتها في حضني كأنها طفلتي الصغيرة ومسحت بيدي على ظهرها وشعرت ببلل دموعها يتسرب من بلوزتي إلي صدري ، شهقت كثيرا وطويلا ، هدهدتها كما أهدهد طفلتي ، همست لها أن اهدئي لا تبكى لا أتحمل أن أراك هكذا)، وكلها نماذج دالة على أن الحياة لم تفقد مفاهيمها الأصيلة وقيمها الناظمة لأنسجة المجتمعات. لقد حاول النص أن يقدم لنا نموذجين متضادين؛ ليبين لنا أن الحياة لم تفقد الأمل بعد، وأن قدرة المجتمعات على استعادة عافيتها ممكنة.
لقد حاولنا قراءة النص (مس كليوباترا) للكاتبة وداد معروف قراءة متأملة بعيدا عن القوالب الجاهزة والأكلشيهات المسكوكة، والمقولات المؤدلجة، كما حاولنا فتح كافة النوافذ أمام النص لفهم أعمق، مؤمنين أن إنتاج الدلالة ناشئ عن الجدلية المستمرة بين المتلقي والنص، وأن النص لا يمكن أن يبوح بمكنوناته، ولا يجود بلآلئه إلا بعد أن يتهجد المتلقي في محرابه، ويخلع عباءات التقليدية في التلقي، في هذه اللحظة يفتح النص أبواب عوالمه، فيسبح المتلقي بين جنباته، ويرصد ما تستطيع عينه أن تلتقط من خطوط وملامح.


Post A Comment: