مدينة الفناء
جاء في منهج البابية التي بدأها الباب الشيرازي أن المرء عليه أن يجتاز صحراء الحيرة الطويلة الموحشة ويعبرها كسفر ليصل إلى البغية والغاية، وأن بعض الموغلين في حبّ السفر يفضلّون التنزه في "الحيرة" فتضربهم رياحها من كل صوب، الشكوكيون الذين يفضلون أن لا يرتطموا بحقيقة واضحة جلية، المسافرون للسفر لأجل السفر لا من أجل الوصول يحلو لهم المقام في وادي الحيرة حتى قيل: "رب زدني فيك تحيرا" ويقولون: (الله أكبر من عظمة هذا الوادِ ومن وسعة هذه المدينة في جبروت الإيجاد، كأنّك لن تجد له من أوّلٍ ولا من آخِر، فَبُشْرَى ثمّ بُشْرَى لمن كَمُلَ فيها سَفَرُهُ، وأيّده الله على طيّ هذه الأرض). ولك أن تتخيل ماذا يسمون الوصول بعد انتهاء وادي الحيرة. يسمونه: مدينة الفناء!
الصوفيون يتشابهون في كل العالم، خلواتهم كخلواتهم وشعراؤهم كشعرائهم..
يقول ابن الفارض:
زدني بفرط الحبّ فيك تحيّرا.. وارحم حشىً بلظى هواك تسعّرا
وإذا سألت أن أراك حقيقةً فاسمح.. ولا تجعل جوابي لن ترى
هل سافرتُ حقاً؟
ثمة فرق بين الحال والمقام الجنيد
هل سافرت حقاً؟ ألامس المدن ملامسة دلّة القهوة لفم الفنجان وأروح... هل أنا الفنجان أم الدلة؟ من يسكب في جوف من ومن يشرح من؟
أحطّ على المدائن حطّة الخطّاف على الأرض المبحصة وأغطّ غطّته على الأقواس النحيت، أتحايل لأبني في الزاوية العمياء منها عشّ حكايتي. كالخطّاف لا وقت لدي ولا مجير، في فمي أجبل تِبْن داري بحصةً بحصة وألصقه براهفةٍ وأمضي تاركاً زعيق انتصاري يتردد في السماء، ومثل الخطّاف لا أقدام لي ولا مكوث. وإن فعلت، لعبت مع المطارح لعبة طائر السبد! ابن عم الخطّاف الكبير، "ملهاة الرعيان" فأرافق التاريخ وهو يقود قطعانه من التداوين بخفقة جناحٍ قصيرة، تسبقه تارةً وتتأخر عنه تارة، أطير وأحطّ وأطير وأحطّ حتى يظن الراعي أنني أشغله وألهيه عن قطيعه بينما أنا "أعشى" لا أرى إلا ليلاً! أجاوره لأتحسّس خطاه وأرافقها في الضوء، حتى إذا جاء الليل أطير بريشٍ مكتومٍ وصوتٍ مثلوم، أطير وأحلّق وحيداً أبداً...
لم أرَ كل ما يطبع على بطاقات الأعياد في كبريات المدن، عشرون زيارة لباريس لم أذهب لإيفل، ومثلها للقاهرة ولم أتوجه لبرجها، وكذلك عين لندن وبيزا المائل ونصب الحرية الخ الخ.. كل هذا لمحته وأنا في طريقي إلى مدائني الخاصة، الهامش لا المتن، الشروح لا النصوص، المجاز والإحالة لا المعنى والمباشرة.
أصنع مدينتي كما كنت أصنع "مقلاعي" و"ربابتي" ودولاب الهواء خاصتي وقصيدتي... الجاهز له أهله. ومن ثم.. دعنا نذهب بطين تكويننا الأول إلى كل العالم لنرَ ما سيحدث؟ قد يكون بحاجة لذلك. لن أفرغ "سفرطاس" ترحالي من أية مادة. لا أستطيع ذلك. فقط كنت أتمنى أنني لم أقرأ كل هذه الكتب التي دمرتني.
تذكرة السفر في يدي ومراكش تنتظرني، إلى أي مراكش سأروح؟
يا سايق الحمرا
ما من مدينةٍ إلا ولديها أسرار، ما من مدينة إلا ويتواطأ أهلها تواطؤاً غير معلنٍ على إبقاء بعض ملامحها وحكاياها خاصةً بهم ولهم. والمدن نساء، قولٌ قديم جداً، لكنه حقيقي جداً أيضاَ، لا يمكن لـ"حاضنة" أن تكون مذكراً أبداً، قد يكون "السجن" هو التجمع الذكوري الوحيد في العالم.
مراكش، لا يمكن لمدينة أن تكون كمراكش ولا يمكن لسائح عادي أن يقول: مرحبا؛ زرت مراكش وهي مدينة رائعة! ثمة مدنٌ ترفض تلك الفكرة جملةً وتفصيلاً. مراكش قطعاً أكثر من: مرحبا، وزيارة. إنها بوابة السحر مجدداً، السحر المغربي الأبيض والأسود والأحمر والملون لدرجة تخلّ بتوازن مخزونك البصري.
يحبون فكرة السحر عموماً، إنها مدينة قامت تحت مانشيت السحر. سحر الشرق الذي حمله الأمويون لتصبح عاصمة المرابطين، سحر منازلها الحمراء المعجونة بترابها الأحمر كإشارة مرعبة للإنتماء والتناغم البصري. السحر كصفة مضافة إلى زيت الأركَان من عصارة لوزها الخاص وهو يعيد الشباب، صناعة السجاد فيها وتغميسها بالألوان في مشهد لا يمكن لأحد أن ينساه، بعض سجادها لا يحترق بالنار، هذا سحر يكلل حرفهم اليدوية. التوابل الملونة، حي اليهود ومقبرتهم، أصوات أنغامهم وترقيص الأفاعي في الساحات، كل هذا سحرٌ في سحرٍ في سحر.
في حقيقة الأمر سحر مراكش لا يوصف ولا توضع عليه اليد وهو ما يؤكد على أصالته، إنه أمرٌ يشبه العطر، يضوع وينتشر دون أن تراه، تجلس على مصطبة في السوق عام 2016 فيحملك المكان إلى 1016 ويوسف بن تاشفين يمشي في أسواقها والمرابطون يحاولون إعادة أمجادنا من هذه العاصمة. مدينةٌ أسرت العديد من نجوم العالم فأصبحوا من مجاذيبها، لهم فيها بيوت ومزارع ومزارات، ومنهم شارل أزنافور وايف سان لوران وماجوريل، ومادونا وغيرهم.
مدينة البهجة ومدينة السبعة، ويقصد بالسبعة السبع المتصوفون ممن حظيت بهم المدينة وحظيوا بها، كالقاضي عياض وبن سليمان الجزولي.
قال لنا الدليل: أنصحكم أن لا تدخلوا حي الملّاح ولا حي المواسين، قد نقع على أذى ونمشي على سحر. قلت له: لقد حلّ بنا السحر يا إبراهيم دعنا ندخل! أجاب: أنا لا أدخل هناك، بل ولا أصلي في مسجد المواسين لأنه بني على مقبرة يهودية. هل ترى هذا الرتل النسائي الطويل؟ إنهن نساء أتين للـ"كارطة" إنها ساحرة تكشف لهم وعنهم. قلت له: اسمع... هل شارع العدالة بعيد؟ سنشرب اسبريسو في لافوغيت ثم نذهب إلى حديقة ماجوريل التي اشتراها إيف سان لوران!
محاور مراكش كثيرة، والكلام عنها يطول، ولكن إن سألتني ماذا تحب أكثر أكثر أكثر شيء في "الحمرا" سأجيب على الفور: فيها ساحة تحمل أجمل اسم بلاغي في العالم: ساحة الفناء!


Post A Comment: