قديمةٌ جداً هي فكرة تصنيف مفهوم الجنون في الحيز المأساوي للأمراض العقلية ولكنها لم تستطع أن تفرض نفسها بالمطلق. فغالباً ما تجاوز هذا المفهوم الحدود المرسومة له حتى أنه بلغ الحدود النقيضة تماماً. وقع ساد، غويا، نيرفال، هولدرين، نيتشه... تحت وطاة الجنون الحادة، ومع ذلك لا يستطيع أحد أن ينكر عليهم سمة العبقرية... فالحدود الفاصلة بين الجنون والعبقرية كانت دائماً مبهمة.حتى أن المسيحية اعترفت بـ"جنونٍ سامٍ أو متعالٍ" من خلال رسالة القديس بولس الاولى وقد توجه للكورنثيين قائلاً "لا أتكلم بحسب الله، ولكن كما لو كنت مجنوناً". و كتب إيراسم (Erasme VX s) "مديحاً في الجنون"... مديحاً تتجلى فيه القدرة الإيجابية للجنون برغم من اللهجة الساخرة لهذا المديح، الجنون الذي يسكن الشيخ والطفل السعيدين وقد تخلصا من استعباد الضرورات اليومية، ليس فقط ذلك، بل كرسا ذاتهما "للغير متوقع" باختصار يعني للحياة!
أما سارتر فصرّح: "ما أحبه في جنوني، أنه حماني منذ اليوم الأول من إغراءات النخبة".
"وفي الجنون _يؤكد لاكانLacan_نصادف هذياناً يموضع الفرد في لغةٍ تخلو من الجدلية" بمعنى التناقض ما بين طرحٍ ما ونقيضه بحثاً عن نتيجة كما في الجدل الهيغلي. ويختار لوران مايي Laurent Maillet أن يتحدث عن "جنون عادي" للإشارة الى حالةٍ جدلية تامة لمفهومين ' الطبيعي والمرضي': "إن التحدث عن "جنونٍ عادي" هو الترويج الى أن شرائح الفكر العادية أو العلمية، وبالنظر الى ذلك الطبيعي والمرضي، لا تختزل أبداً الحقيقة الانسانية" . فضمن هذه الرؤية، يكون الخروج عن المألوف في التصرف _ وهو الانحراف على المستوى الاجتماعي والاحصائي_ يكون قد هُمِّش نفسياً ويعبر عن فرديةٍ يطالب بها كل واحدٍ منا ويرغبها لنفسه.
وفي القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ألهم موضوع الجنون روائع حقيقية في الفن كما في الأدب كنص Brant وهو الاكثر شهرة في نهاية القرن الخامس عشر:"جناح المجانين Nef des fous ".وبحسب هذا النص، تمثل أمنا حواء المجنونة الأولى بين البشر والتي ولدت بفضل حواسها الخمس كل أنواع الجنون، والتي بتماسها مع الخطيئة غذت الجنون.
هذه الرؤية التي تربط الجنون بالحواس الإنسانية تقودنا الى ما هو عنصر أساسي للإبداع بقدر ما هو عامل انقطاع مع اللوغوس العام وهو الخيال. "فبالخيال نغادر المجرى الاعتيادي للأمور يصرح باشلار Bachelard '. ومن الصعب أن ندمج لغة العقلانية مع لغة الخيال. فالثانية تتجاوز الحجة والمنطق لتستعين بشرائح فكرية أخرى كالقدرة على الترميز واستخدام الترابط الحر وتفعيل المعنى المجازي. وهي نفس البنى المعرفية التي تستخدمها بنية الحلم. كما أنها نفس البنى التي يثيرها أو يستفزها منظور مختلف للعالم، منظور الاحساس. فالحواس والعواطف لا تتحدث الا بالصور...كنز المعرفة والسعادة الانسانيتين. والصور قبل أن ترفض المألوف وتشكل عالماً جديداً نربطه ب "الإبداع" لم تتكون سوى من تراكم معارف مألوفة ثم يأتي دور التخيّل، وهو ميزة للفكر الإنساني متجذرة في عمق الكائن المدرك. لما كانت هناك اختراعات علمية ولا أشعار محلِّقة لولا هذه الميزة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعالم "الصورة" و "التصّور".
وقد تربط اللغة العربية فعل التصّور بالوهم (المنجد: تصّور الشيء توهم صورته وتخيله). ولطالما كانت الصورة سيئة السمعة فهي بالأصل نسخة، الوجود "الثاني" لوجودٍ "أول"؛ لنتذكر أفلاطون. أليست الصورة عنده استلاب أو انسلاب للعقل وتشييئه؟ يبدو أن الصورة التي ندرك العالم بها تسيطر علينا وتحكمنا. لهذا يعتبر المفكرون الروحانيين، باسكال مثالاً، أن الخيال هو سيد الخداع والغلط. وهكذا فتعتبر الصورة الذهنية ابتعاداً عن الإطار العقلاني حيث يريد البعض "حبس" الوجود الإنساني.
ولكن الصورة الذهنية هي أيضاً الأغنى والأكثر تمرداً على التصنيف لأنها تشترك بالعمليات الذهنية المختلفة. فتكون بذلك تعبيراً مكثفاً لشمولية الوضع النفسي للفرد متجاوبة مع الإبداع الذاتي للاوعي من جهة، ومن جهة أخرى للحالة المؤقتة للوعي. وأعتقد أنها بهذا تصبح لوغوس جديد لا تقل تعبيراً عن أي نشاط إنساني. تتوق الصورة لتجميل الوجود وتغييره وتعطيه بعداً روحياً يوافق رغباتنا. ألم يعلِّم فرويد أن الحاجة للحلم ليست فقط حاجة بيولوجية حيوية ولكنها تظهر أيضا على المستوى الثقافي للإنسان المنقسم بين مبدأي المتعة والحقيقة. إذن إن عملية التخيّل والتصوّر كالحلم هي عملية توازن نفسي فردية التعبير تعطي النفس قدرة الإبداع، ليس فقط، بل هي إشارة انتماء لمملكة الحرية والثقافة، هي ابتعاد عن الواقع بغاية أنسنته. وإذا كانت العقلانية العلمية هي الأساس في لمّ شمل تشتت الهويات الثقافية وجعل هذا العالم المتعدد مضيافاً ومفهوماً، إلا أنها لم تنجح بشكل مطلق في إعطاء معنى للوجود الإنساني... إعطاء معنى لعالمنا هو رهن قابلية مزدوجة لفهم هذا العالم وإنشاء علاقة معه. لذلك لا يكون المعنى ممكناً إلا من خلال كون هذه علاقة ثلاثية الأبعاد: عقلانية، رمزية، وعاطفية (بمعنى كل ما له علاقة بالحواس والإحساس).
ترجعنا هذه الرؤية إلى الطرح الأول وهو مفهوم الجنون. كنا قد رأينا أنه وبمنظور كلاسيكي يكاد يصنف في الحيز السلبي، تفلت من هذا المنظور بعض الرؤى الخجولة. وقد رُبِط مفهوم الجنون بالحواس؛ ولكنه كان ربطاً عاماً ينذر بالفوضى والفصل مع العقل بما اعتُبِرَ إيجابياً من أنشطته، ونذكر أن عالم الفضائل منذ الفلسفة اليونانية هو عالم لا يتأكد إلا بمعايير الجمال، الجودة والتطابق مع ما هو "صحيح" أي ما هو مقبول اجتماعياً.
إذا كان الجنون فَصلٌ عن الواقع، يستمد وجوده من عمل الحواس و الإحساس فهو إذن نتيجة "خلل" في العلاقة الثلاثية التي بها يكون معنى الوجود في هذا العالم. أما أن يختار الفرد القطع والفصل مع ما هو عام ليتوازن مع ذاته فهذا "تصويبٌ" يعيد التوازن والتوافق المفقود للذات الإنسانية. فالجنون هو استخدامٌ لقوى الفكر الإنساني غير المعتادة بعيدة عن النمط الكارتيزياني (Descartes) يتوجه من خلالها الفكر إلى ما هو غير "معقول" ويرتكز عليه. ألم يعتبر فوكو أن الإنسان واللامعقول كانا دائماً معاصرين لبعضهما البعض. ومن الطبيعي أن يبدو غير المألوف "شاذّاً" وذلك لأنه كسر فجأةً نمطية ًكانت تبدو مؤكدة وثابتة وهو تدمير لعوالم ألفناها وعلى صعيد أعمق هو غياب الرابط المجتمعي. لتقبل هذا الفصل يجب التحلي بإرادة اكتشاف الوجوه المتعددة "للحقيقة" وقبولها ككائنٍ متعدد الوجود بقدر "تعدد" وفردية هذا الكائن الإنسان.
وبقدر ما يكون هذا الفصل مع العقل الاعتيادي قادر على إعطاء معنى للوجود ولو كان فرديا جداً، فهو إبداع وليس مرض ذهني. فالإبداع ما هو إلا تراكمٌ معرفيٌ تجاوز التنظيم المتعارف عليه... هو لا يخترع مادة جديدة وإنما "يتصرف" بمادته المكتسبة عبر تسلسل المعارف بطريقةٍ غير مألوفة... فالإبداع هو تأسيس بنيانٍ جديد بتنسيق الحجارة القديمة بطريقة تتجاوز الرؤى المألوفة واللوغوس العام.
هي دعوةٌ للجنون الخلاق في الكلمة، في الفن بكل مجالاته، في العلاقة مع الآخر... هي دعوةٌ للأنسنة.
*************************


Post A Comment: