ذكريات_طفل( ٢ ) :
•••••••••••••••••
كتبت صديقتنا الجميلة تتحدث عن التمسك بروح الطفولة واستدعاء مشاعرها فأثارت الكوامن التى كدنا أن ننساها ..
من كثرة اهتمام أهل القرية بإنجاب الذكور أدى هذا الاهتمام لخلق حالة نفسية لدى الذكور لأنهم محط اهتمام الجميع ..
يعنى يبقى طفل وعمال يسابق الزمن عايز يبقى راجل ومش راضى يعترف إنه طفل ويفتح صدره ويزعم أمام الجميع بكل زهو انه راجل ..
لكنه ما زال طفلا ..'يعمل ايه ؟
يتصنع الرجولة وهو ما زال طفلا صغيرا ..
فى السادسة من العمر فى خمسينات القرن الماضى وكنت فى الصف الابتدائى الأول كان اخى الذى يكبرنى بخمس سنوات مضطرا للذهاب كل ليلة للمبيت مع جدتى فى بيتها البعيد عن بيتنا لأن ابنها الوحيد كان يعيش فى ألمانيا وهى تعيش بمفردها ..
طبعا البيت مش بعيد ولا حاجة دى المسافة كلها أقل من ٥٠٠ متر لكنها مسافة بعيدة بالنسبة لأطفال فى عمر الزهور ..
خصوصا ان المسافة نقطعها فى طريق مظلم فقد كانت قريتنا محرومة من الكهرباء ..
أهل كل حارة او اهل كل مجموعة بيوت او ناصية يشتركوا مع بعض وعندهم فانوس ولمبة جاز نمرة ٥ ..
وكل بيت له دور بشكل يومى فى مسح الفانوس واللمبة وتعمير اللمبة بالجاز ( الكيروسين ) ..
لكن طبعا الضوء تلاقيه مركز حوالين الفانوس وكل ما تبعد الضوء يخفت حتى تصل لفانوس آخر ..
اخويا الكبير واحنا قاعدين حوالين الطبلية لتناول طعام العشاء بيقول لأبويا إنه مش عايز بروح عند جدته ..
ليه ؟
قال له السكة ضلمة وانا بابقى خايف وأنا ماشى ..
هوب .. نط الراجل المزعوم والمرتجى بداخلى لأعرض مساعدتى ..
أنا يا خويا مستعد أروح معاك أوصلك وأرجع !!
نظرة تعجب من أبى وأمى وألمح لمعان عجيب فى عينى أبى وكأنه قد سره ما سمعه من طفله ..
وبدأت الحكاية ..
كل ليلة بعد العشاء أروح مع اخويا الكبير الى بيت جدتنا وأرجع لوحدى ..
طول السكة وانا راجع لوحدى أنتبه الى حال الخوف الذى يعترينى وأغضب من نفسى عشان خايف ..
بس مينفعش أقول لأى حد انى خايف أحسن يقول عليا عيل صغير ..
وكل ما أبويا يخرج عايز اخرج معاه وأمشى جنبه عشان عايز اعمل راجل ..
أبويا صدق انى واد جدع واخدنى معاه فى ليلة للغيط ..
كان دورنا فى الرى فى الليلة دى ومحتاج حد يقف عند الساقية عشان البقرة متبقاش لوحدها وممكن حرامى يسرقها ..
فرحت وروحت معاه ..
الساقية على شط الترعة ..
ابويا قال لى خد بالك من البقرة ومتخليهاش تقف ..
ولو حصل حاجة او لقيت نفسك خايف ازعق وانا أجيلك ..
ما هو لازم يكون فى الارض تحت عشان يحول المية من فحل لفحل ..
( الفحل ) هو مسمى لقناة الرى الصغيرة داخل الحقل ..
أبويا نزل من هنا وعينى راحت على الشط التانى للترعة والسكون مطبق ولا تسمع سوى نقنقة الضفادع ..
عينى على الشجر والنخل الناحية الثانية ..
فجأة لقيت النخل عمال يطول ويقصر ..
يقصر ويطول ..
ثقافة العفاريت سائدة فى قريتنا ومتغلغلة فى نفوس الجميع وخصوصا الصبية ..
مش قادر أوصف حال الفزع والرعب اللى سيطر على قلب طفل صغير ..
وبدأ التفكير ..
افرض ان العفاريت عدت الترعة وعملت فيك حاجة ؟
طيب تزعق على ابوك يسيب الارض ويبجى ؟
طب لما ييجى ويسألك عايز ايه ترد عليه تقول له إيه ؟
وساعتها هيقول عليك ايه ؟ عيل ؟ صح ؟
طب تنزل انت تروح له ؟
طب وتسيب البقرة للعفاريت ؟
طب وتقول له ايه اللى نزلك وخلاك تسيب البقرة ؟
هيعرف انك خايف ومش هياخدك معاه تانى ..
واستمر حال الرعب المسيطر لفترة طالت كثيرا ..
طالت لفترة لا أعلمها حتى وجدت أبى واقفا عند رأسى يبشرنى بانتهاء المهمة ..
وتنفست الصعداء ..!!
وفى تجمع عائلى مساء العيد تحدث الأقارب بمزيج من المزاح والفخر بأننى أرافق أخى الاكبر كل ليلة الى بيت جدتى ..
تدخلت فى الحوار وقلت لهم بكل ألاطة انا عايز مسدس أشيله معايا عشان وانا راجع لوحدى أعرف أحمى نفسى ..
ضجوا جميعا بالضحك ..
والتقط الخيط محمد بن خالى عبدالعظيم وكان رجلا قد تخطى الثلاثين وقال لى :
عارف كوم السباخ اللى قدام بيتنا ؟
قلت له ايوه عارفه ..
قال لى اهو احنا وقع منا فرد ( مسدس ) فى كوم السباخ ده .. تعال بكره خد لك منقرة ( فأس صغيرة جدا ) وكسر السباخ ( اهريه ) ولما تلاقى المسدس حلال عليك ..
تانى يوم الصبح بدرى ما كدبتش خبر وطلعت على بيتهم وكان بيتهم مجاور لبيت جدتى ..
محمد جاب لى المنقرة وبدأت الشغل بكل همة ونشاط ..
بعد ساعة تقريبا جدتى ماشية بالصدفة ..
شافتنى نازل تكسير فى كوم السباخ ..
وقفت وزعقت فيا :
واد يا عبده بتعمل ايه يا منيل ؟
قلت لها وأنا نهجان من المجهود :
بأدور ع المسدس ..
ضحكت ضحكة عريضة كده وقالت :
انت صدقت يا ولا ..
كده يا خايب تخليهم يضحكوا عليك عشان تهرى لهم السباخ ببلاش ..؟؟
بصيت ورايا على خالى وابن خالى لقيتهم واقعين م الضحك ..
رميت الفاس ومشيت غضبان ..
وفضل محمد ابن خالى بعد ما كبرت وبقيت راجل كل ما يقابلنى يقول لى مازحا :
مش عايز المسدس ؟
وتقول لك استدعى روح الطفولة ومشاعر الطفولة ..
هو احنا شفناها أصلا ؟؟ ..
احنا مولودين رجالة يا ست الكل وعمرنا ما كنا أطفال ولا نعرف يعنى ايه طفولة ..


Post A Comment: