ماذا يمكن لي أن أقول في شعر لمسيّح الشعر الذي تحققت فيه أبعاد الحداثة الشعرية وتطلعاتها اﻹبداعية والكونية بلغة كانت تعاني من النظرة الفوقية من قبل سلفيي القواميس والبيان الإعرابي النحوي .؟
ماذا يمكن لي وأنا في جحيم نفسي فيما يجري في وطني من موت وتدمير وقتل إن بمؤامرات وإن بأيدينا ؟.
ماذا يمكن لي أن أقول في شعر لمسيّح وهو يحتاج لقراءة وتأمّل وتمعّن وتركيز قلب وتجلّي ذوق وصفاء عقل.
وأنا في هذه المرحلة من تفاقم المعاناة بت أفتقد كل ما يؤهّلني لأكون بمستوى الشعر العظيم عموما وشعر لمسيّح الذي أعتبره من شوامخ الشعر العربي واﻹنساني . في لغته الدارجة .
أصحو على همّ إدارة شؤون يومي وفي كل صباح أفتح جواز سفري كما قلبي وأحاكمه شعريا فأراه أخرس صامت الوجه واللسان والقلب.
أفتح جواز سفري السوري كما كنت أفتتح صباحاتي في الشام بصوت فيروز وبقصائدالحب قصائد كالورود بسيطة وجميلة وعميقة .. فلا أسمع فيروز ولا تغاريد طيور دمشق ولا أشم أو أرى ياسمينها ولا فلّها وﻻ عطر زيزفونها وﻻ جوريّها العبق .
حتى ولو أمعنت في تعذيب النفس كعادتنا العربية في الشعر قلت لكم أفتح الجواز وأنا صرت مشتاقاً لهويَّتي وموسيقاها الصاخبة بأصوات الرصاص القاتلة والقذائف العمياء والبراميل الجهنمية .
جواز سفري الذي كإسمي لا ينفك عني يعمق غربتي ولا خلاص لي من وجهه اللعين .
المغرب جنات الله في كونه وأنا عاشق له وﻷرضه وإنسانه، ومن بعد حين تعرفت على شعره بت أحمل هوية انتماء له بطريقة لا تُعنى بها وزارات التشغيل والتجارة والداخلية والخارجية .. ولا يوجد في قوانين الوزارات بند يسمّى إقامة شعرية مغربية .. ولا تدرك حتى القوانين وواضعوها معنى أن أتقدم بقلبي وحبي وعشقي لشعر المغرب العظيم برموزه المحدودة وبعض الواعدين من شبابه .. أن اتقدم بكل هذا من قبل مجيئي للمغرب ومن بعد دخولي إليه .. و القوانين ونظام الوزارات نظام أفلاطوني لا يعترف بالشعر ولا بالشعراء مهما كانت أوراق قصائدي حمراء مبللة بخضيلٍ مزيج من الدمع والدم .
فتحت ديوان صديقي لمسيّح وقلت باسم الشعر وكان أحمد يعابث الموت كما حكاية قرأناها في التراث عن شاب صالح مات ورأف به الله في وحشة قبره ومقامه البرزخيّ المضجر من الانتظار.. انتظار أن يُمنح ورقة قبوله مقيما في الجنة ، وهو انتظار أبدي كالحب .. زمن لا يحتمله إلا الله نفسه.. رأف الإله بعبده المحب الذي دخل القبر آملا اﻹقامة في جنة عدنه مع أحبابه ، فأرسل الرحمن إليه في قبره حورية ظاهرها الحب والجمال، أرسلها من لب جنانه ، يعني في لغتكم لالّة فردوسية ، ليلاعبها الميت وتلاعبه ، وبينما هو في حمأة الوجد والعشق امتدّت يده بلاشعور حال الحب إلى طوق الجمان والخرز اللؤلؤي في جيد لالّةِ السماء متعلقا به فقطع الخيط وانفرطت حباته ... بكت الحورية على عقدها المنفرط الثمين وصارت دمعاتها كما اللؤلؤ ولا بد للشاب الصالح المشمول بحب الله ولالّته لا بد له أن يلتقط حبّات الطوق خرزة خرزة وهكذا بمفهوم الزمن السمائي ليتلّهى في طول انتظاره الموتي ، فلا ينتهي من جمع حبات العقد حتى تقوم القيامة وهو يحلم حلما قبريّاً أن يتقدم منه ملاك غليظ شديد سكّير يحمل له ورقة اﻹقامة في الجنة .
لمسيّح ذكّرني لا بهذه الحكاية فحسب بل أيضا وهو يعبث بالموت عبثا وجوديا قهرني الواقع وأخرجني من الشعر إلى كلمة الموت ذاتها ، لا بمعناها الشعري ولا الجمالي ولا اللعب اللغوي ولا بالرؤى ،، قهرتني الكلمة إذ كنت أقرأ شعرا وتراءى لي موتنا السوري وعزرائيله متعهد الموت بالجملة والذي دخل سوريا من دسائس الليل لا قابضا كما عادة عزرائيل الكلاسيكي بل ساحقا محطما .. دخلها بملامح وأعماق بشرية وجوهها كدواخلها منفصمة الشخصية ، وجهٌ ينشر الموت في كل الوطن باسم السماء وأحقادها ووجهٌ يزرع الموت باسم الأرض وضياعها .
واعذروني أنا أقدم شهادة بشعر لمسيّح الزجّال فقدمت شهادة على حزني وعلى نفسي وعلى ما أنا فيه .
ولأني داخل في هذا الحال كانت تنط كل كلمة من الديوان وخاصة صفحاته الأولى إلى عقلي وتتراكض في ذاكرتي من رفٍّ إلى رفّ .. أقرأ الموت شعرا راقيا مخلوقا ببصيرة شاعر متأمل مبتكر وبدل أن أنتشي متعةً أمام الصور والخيالات والخلق .. أقول :
هو الموت إذن ؟
ويا كم خطف عزرائيل الموت السوري اليوم بقذائفه وصواريخه وبراميله وطائراته من أبرياء
وكم قطع الماء عن الأطفال وكم اضطرهم للمواء في جوف الليل كقطط عالقة في الوحل .
وهل في سوريا عزرائيل واحد ؟ ألم أخبركم عن عزرائيليي القتل والموت القادم من أحقاد وعمى التاريخ ؟.
وأعود مع تأسّفي لكم عن الشطط :
إن لمسيّح الذي دأب يقول منذ زمن قتلتني القصيدة قتلتني القصيدة ويكتبها في صفحته على الفيس بوك .
كنت أقرأ وأتلذّذ بالكلمة كأي مجرم مشوّه النفس وأنسى المجاز فيها وأقول يا ربي ألم تلهم لمسيّح كلمة أخرى تبعدني أنا القادم من وطن قتلتني فيه المباشرة كما المجازات والاستعارات بكل أسلحتها الطائفية .
وقلت العلّة ليست بالكلمة ولا بالكتابة العلّة فيَّ أنا المتلقي بذوق قتيل .
قتلته القصيدة وليته ما استخدم هذه الكلمة إذ لو سمعتها أذن القوانين لجندوا كل قوة للقبض عليها وزجها بسجن يشبه الفصحى ، ويحكم عليها بغربة تشبه غربتي ، وغربة لمسيّح أيضا المعترف أن القصيدة قتلته ...
هل قتلته وهو غافل؟ ..
ما أظن ..
إن لمسيّح ينام بأعين شعرية مفتوحة كالغزلان .. وكل ما يخشاه تفكيري أن تكون القصيدة التي قتلته غزالة هي الأخرى فإن كان هذا هو ما جرى فبورك للمسيّح بقتل الغزالة الرحيم .
الغزالة لا تقتل بسكين ورصاص وجحيم قذائف .. الغزالة تقتل قتلا رحيما لا يحتمله أيوب.
وأنا مثلك يا لمسيّح قتيل ولكن ليس مجازا .. قتيل بجفوة القصيدة لي .. قتيل بهجرها .. قتيل بلا مبالاتها ، بوحدتي ، بجفاء لالتّي لي ، منذ وجدَتْ أنها لا تحتمل قتيلا جاء إلى المغرب ليحيى بها ، فما احتملتْ عينيّ المفتوحتين على السهر والحب ، وتسلّحت بضعف قلبي وأردتني قتيلا إلى جانب لمسيّح .. هو قتيل القصيدة وأنا قتيل اللاقصيدة .. نعم أنا ولمسيّح ومن شاء أيضا نطالب الشعر أن يسمينا شهداء في سبيل المجازات والاستعارات والصور والخيالات ، شهداء في الشعر المطلق ، الشعر الإنساني الذي ينتمي لجوهر الإنسان ، لا للجغرافيا .
أحمد لمسيّح قتلته القصيدة .. أحمد لمسيّح مات إذن .. وهو ما زال يعبث بنا وبالموت .
وأنا قطعت خيط قلادة اللالّة فتركتني في وحشة القبر والغربة .
أين لمسيّح الآن أين ؟
يقولون ما كاينش .
ومع امّحائه فقد حمّلته أمانة أن يبلغ لالّاي إن رآها دون قلادتها: أن ميّتها غير الصالح باق بقاء سرمديا يجمع حبّات قلادتها ..
لمسيّح لابد أنه لهييييه (هناك) وسيوصل الرسالة . فهو أمين مكين .
وهو في الجنة وأي جنة .. ستجدونه على ضفة وادي الخمر يشرب بعطش ورثه من الحياة وخبأه في روحه عن الرقباء ..
وكما قلت هو :
أمين في الخمر وأمين في الشعر وهو مثلكم يعرف معنى الفرق بين الموت في اللغة والموت على لالّةٍ لا هي بخيانة جورج صاند ل دي موسيه ولا بوفاء جولييت لتقتلها القصيدة .
هناك ينشد:
ما الفرق بين السكرة والموت
غير فراق الحبيب .
مناجيا :
اقتليني بالعشق
يولّي الموت عاطل
منذرا:
إذا جاء الموت
إعرف أن الحب مشى .
وأنا ماشٍ ومودعكم فالقوانين لا تعترف بشفاعة الشعر ولا الشعراء .
***
من كتاب لي لم ينشر بعنوان (حكايات شامي في المغرب)




Post A Comment: