الطَّيِّبُ وَالْحَسُود

قصة للأطفال

أيمن دراوشة

-------------------------------------------

     يُرْوَى أَنَّهُ في قَديم ِالزَّمَانِ كَانَ هُنَاكَ بَلْدةٌ صغيرةٌ يَحْكُمُهَا وَالٍ هَمَّهُ الْوَحيدُ تَحْقيقَ مُصَالِحَهُ الشَّخْصِيَّةِ دُونَ النَّظَرِ إلى الاهْتِمَامِ بِرَعِيَّتِه وَلا حَتَّى إِلى نَصْرَتِهِمْ.

     وَكَانَ يَعيشُ في هذه الْبَلدَةِ الصَّغيرَةِ تَاجِرُ أَقْمِشَةٍ ظَالمٌ يُدْعَى أَبُو الْحَكَم ِاَّلذِي جَمَعَ ثَرْوَتَهُ مِنَ المَالِ الحَرَامِ وَاسْتغْلالِهِ للطَبَقَةِ الفَقيرَةِ بِطُرِق ٍ رَخيصَةٍ كإِغْرَاقِهِمْ في الدُّيُونِ ثُمَّ الاستيلاءِ عَلَى أَرَاضيهِمْ لِيْزْدَادَ ثَرَاءً وَجَاهاً وَيَزْدَادُ الفُقَرَاءُ بُؤْساً وَشَقَاءً.

          أَمَّا وَالي الْبَلْدَةِ فَقَدْ كَانَ شَريكاً لَـهُ في التِّجَارَةِ، وَيَتَقَاضَى منْهُ أَرْبَاحاًً مُقَابلَ غَضِّ النَّظَر ِعَنْ ظُلْمِهِ لِعَامَةِ النَّاسِ وَخَاصَّة الفُقَرَاءِ مِنْهُمْ.

     وَفي هذه الْبَلْدَةِ الصَّغيرةِ كَانَ يَعيشُ بالقُرْبِ مِنْ أَبي الْحَكَمِ صَيَّادٌ فَقيرٌ يُحِبُّ الْخَيْرَ للنَّاسِ وَيَعِيشُ مَع أُسْرَتِهِ الصَّغيرَةِ المُكَوَّنَةِ مِنْ ثَلاثَةِ أوْلادٍ وَأُمِّهِم في بَيْتٍ مُتَوَاضِعٍ، وَمَع ذَلكَ فَقَدْ كَانَ الصَّيادُ الَّذي يُدْعَى أَبو الطَّيِّبِ سَعِيداً في حَيَاتِهِ رَاضياً بمَا قَسَّمَهُ اللهُ لَهُ مِنْ رِزْق ٍ.

     وَكَانَ الصَّيادُ يَعْتَمِدُ في عَمَلِهِ عَلَى قَارِبٍ صَغيرٍ يَمْلُكُهُ، وَبواسِطَةِ هَذَا القَاربِ يُوفِّرُ أَحْيَاناً قُوتَ عَائِلَتِهِ.

     وَكَانَ التَّاجِرُ الْمُسْتَبِدُّ أَبُو الْحَكَمْ قَدْ عَرَضَ عَلَى جَارِهِ الصيَّادِ أَنْ يَبيعَهُ بَيْتََهُ مِنْ أَجْلِ الحُصُولِ عَلَى أَرْضِ الْبَيْتِ؛ لِيُوَسِّعَ فيها تِجَارَتَه، إِلا أَنَّ أَبَا الطَّيِّبِ رَفَضَ ؛ لأَن الْبَيْتَ يُشَكِّلُ الْمَأوَى الْوَحيدِ لَهُ وَلِعَائِلَتِهِ.

وَفي إِحْدَى الأيَّام ِالْتَقَى التَّاِجرُ مَع الصَيَّاد فَوَجَدَ التَّاجِرُ الصَّيَادَ سَعِيداً فَغَضِبَ التَّاجِرُ غَضَباً شَديداً وَقَالَ للصَيَّادِ (يَا لَكَ مِــنْ جَارٍ مُزْعِجٍ، فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ فِقْرِكَ إِلا أَنَّكَ دَائِمُ السَّعَادَة، لَكِنْ هَذَا الأَمْرُ لا يَعْنيني في شَيْءٍ وَالَّذِي يَهُمُّنِي هُوَ بَيْتُكَ فَهَلْ وَافَقْتَ عَلَى بَيْعِهِ لي) فَأََجَابَ الصَّيَّادُ بِالرَّفْضِ الْقَاطِع ِعَلَى الرَّغْم ِ مِنْ أَنَّ أَبَا الْحَكَم ِ قَدْ أَغْرَاهُ بِمَزيدٍ مِنَ المَالِ. هُنَا هَدّدَ التَّاجِرُ الصَّيَّادَ إِنْ لَمْ يُوَافِقْ فإِنَّهُ سَوْفَ يُرْسِلُ عُمَّالَهُ لِيُحَطِّمُوا قارِبَهُ وَبَيْتَهُ غَداً.

     وَعَادَ الصَّيَّادُ إِلى بَيْتِهِ حَزِيناً مَهْمُوماً وَشَكَا هَمَّـــهُ لأَوْلادِهِ وَزَوْجَتِهِ، فَهَدَّأَ أَوْلادِه مِنْ رَوْعِهِ بِقَوْلِهِمْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا.

     وَهكَذَا ذَهَبَ الأَبُ إلى النَّوْم ِوَهُوَ خَائِفٌ مِنَ الْغَدِ ، وَفي هَذِهِ الليلة لَمْ يَسْتَطِعْ الصَّيَّادُ النَّوْمَ فَنَهَضَ مُبَكِّراً ، وَصَلَّى صَلاةَ الْفَجْرِ وَتَوَجَّهَ إِلَى أَوْلادِه  يّسْأَلَهُمْ عَنْ حَوَائجِهِمْ فَطَلَبَ ابْنُهُ الصَّغيرُ مُحَمَّدٌ (كعكة) ، فَأَجَابَ الأَبُ سَوْفَ أَطْلُبَ مِنْ أُمِّكُمْ عَمَلَ الكَعْكَةِ الْيَومَ وَلكِنِّي أَحْتَاجُ إلى الوعاء كَيْ أَمْلأ فيه السَّمْنَ لُزُومَ الكَعْكَة . فَنَاوَلَ مُحَمَّدٌ أَبَاهُ الوعاءَ وَقَالَ لَهُ لا تَنْسَ وَعْدَكَ يَا أَبي . فَأََجَابَ الأَبُ : إِنْ شَاءَ اللهُ . وَذَهَبَ الصَّيَّادُ إِلى قَارِبِهِ حَامِلاً الوعاءَ وَلكنْ يَا لَيْتَهُ لَمْ يَرَ مَا رَأَى ، فَقَدْ وَجَدَ قَارِبَهُ يَحْتَرِقُ وَيَتَنَاثَرُ هُنَا وَهُنَاكَ ، فَصَاحَ أبو الطَّيِّبِ يَا وَيْلِي لَقَدْ قُضِيَ عَلَيَّّ وَعَلَى أُسْرَتي فَمَنْ لَهُمْ مِنْ مُعِيلٍ بَعْدِي ؟

     وَأَخَذَ الصَّيَّادُ يُوَلْوِلُ وَيَصيحُ لا يَعْرِفُ أَيْنَ يَذْهَبُ؟ فَعَوْدَتُهُ إِلى الْمَنْزِلِ تَعْني عَدَمَ إحْضَارِ السَّمْنِ الَّذي وَعَدَ به ابْنَهُ الصَّغيرِ، وَكَمَا أنَّ الصَّدْمَةَ سَتَكُونُ شَديدَةً عَلَيْهِمْ إِذا عَرَفُوا بِالأَمْرِ، فَإِنَّ مَصْدَرَ الرِّزْقِ الوَحيدِ وَلَّى مِنْ غَيْرِ رَجْعَةٍ.


وَسَارَ الصَّيادُ مِنْ غَيْرِ هَدَفٍ حَتّى قَادَتْهُ قَدَمَاهُ إلى سَفينَةٍ كَبيرَةٍ قَدْ أَوْشَكَتْ عَلَى الإِبْحَارِ، فَطَلَبَ الصَّيَّادُ مِنْ قَائِدِ السَّفينَةِ السَّفّرَ مَعهم، وَفِعْلاً صَعَدَ الصَّيَّادُ إلى السَّفينَةِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِوَى الوعاءِ الذي أحْضَرَهُ مَعَهُ مِنَ البَيْتِ، لا يَعْرِفُ إلى أَيْنَ هُوَ ذَاهِــــبٌ، وَمَاذَا سَيَفْعَلُ في هَذَا الزَّمنِ الْغَادِرِ. وَسَارَتِ السَّفينَةُ مَسيرَةَ يَوْمَيْنِ فيمَا أبو الطَّيِّبِ يَبْذُلُ كُلَّ جُهْدِهِ في العَمَلِ الدَؤُوبِ دَاخِلَ السَّفينَةِ سَوَاءٌ في تَحْضيرِ الطَّعَامِ أَوْ مُسَاعَدَةِ الْعُمَّالِ في أَعْمَالٍ أَخْرَى.

    وَفَجْأةً هَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفَةٌ أَطَاحَتْ بِكِلِّ مَنْ في السَّفينَةِ فَقَضَى الجميعُ غَرَقاً، أَمَّا أبُو الطَّيِّبِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِلَوْح خَشَبِيٍّ مِنْ بَقَايَا السَّفينَةِ وَحَمَلَتْهُ الأَمْوَاجُ إلى شاطِئ جَزيرَةٍ نَائِيَةٍ، فَنَامَ فَاقِداً وَعْيَهُ، وَعِنْدَمَا أَفَاقَ كَانَ قَدْ أَحَاطَ به مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ غَريبي الأَطْوَارِ وَيَحْمِلُونَ الحِرَابَ الطَّويلَةَ وَيُصَوِّبُونَهَا بِاتِّجَاهِهِ.

     ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلى حَاكِم ِ الجَّزيرَةِ الَّذي سَأََلَه بِدَوْرِهِ مَـنْ أنْتَ؟ وَمَاذَا تُرِيدُ ؟ فَأَجَابَ أبُو الطَّيِّبِ بِخَوْفٍ: صَدِّقُونِي أَنَا لا أُرِيدُ بكم الأَذِيَّةَ ، كُلُّ مَا هُنَالِكَ أَنَّ السَّفينَةَ الَّتي كُنْتُ أَسْتَقِلُّهَا غَرِقَتْ في البَحْرِ فَقَالَ لَـهُ حَاكِمُ الجَّزِيرَةِ ، وَأَيْنَ رِفَاقَكَ ، قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ : مَاتُوا جَميعاً ، وَضَاعَتْ كُلُّ الْمُمْتَلَكَاتِ وَلَمْ يَبْقَ لي سِوَى هَذِهِ ( رَفَعَ الوعاءَ ) هُنَـــــا صَاحَ السُّلْطَانُ في دَهْشَةٍ : تَاجٌ عَظِيمٌ … تَاجٌ عَظِيمٌ . وَصَاحَ الأَتْبَاعُ مِــنْ بَعْدِهِ: تَاجٌ عَظِيمٌ ... تَاجٌ عَظِيمٌ.

وَهَكَذَا نَزَلَ الصَّيَّادُ ضَيْفاً عَلَى الحَاكِمِ يَلْقَى مِنْ شَعْبِهِ كُلَّ حُبٍّ وَاحْتِرَامٍ وُحُسْنِ مُعَامَلَةٍ، وَبَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ طَلَبَ الصَّيَّادُ مِنْ الْحَاكِمِ أَنْ يُعِيدَهُ إِلى بَلَدِهِ فَرَفَضَ الْحَاكِمُ وَقَالَ لِلْصَّيَّادِ: وَلِمَاذَا تُرِيدُ الْعَوْدَةَ فَهَلْ أَسَأْنَا مُعَامَلَتَكَ، رَدَّ الصَّيَّادُ مُتَلَعْثِماً: لا يَا سَيِّدِي الْحَاكِم ِ إِنَّمَا لَدَيَّ عَائِلَةٌ وَهِيَ بِحَاجَةٍ إِلى رِعَايَتِي فَنَحْنُ فُقَرَاءٌ. فَأَجَابَ الْحَاكِمُ: إِذَنْ لَدَيْكَ عَائِلَةٌ وَهِيَ بِحَاجَةٍ إِليك، لا بَأْسَ مِنْ مُغَادَرَتِكَ وَلكِنْ لَيْسَ قَبْلَ أَنْ نُكْرِمَكَ وَنُجَهِّزُ لَكَ أَمْتِعَةَ السَّفَرِ.

     وَبَعْدَ يَوْمَيْنِ جَهَّزَ الْحَاكِمُ سَفِينَةً لِلْصَيَّادِ بَعْدَ أَنْ مَلأْهَا بِالْمُجَوْهَرَاتِ وَالْحُلي الثَّمِينَةِ إِضَافَةً إِلَى مَا لَذَّ وَطَابَ مِنَ الطَّعام ِ. وَهَكَذَا عَادَ الصَّيَّادُ إِلَى بَلَدِهِ، وَبِحِبٍّ وَعَطْفٍ وَحَنَانٍ ضَمَّ الصَّيَّادُ أَوْلادَهُ إِلَى صَدْرِهِ وَأَخْبَرَهُمْ مَا جَرَى لَـهُ وَاعِداً ابْنَهُ مُحَمَّدٌ أَنْ يَشْتَرِيَ لَـهُ كُلَّ الْحَلْوَى الَّتِي في الْبَلْدَةِ.

     أَصْبَحَ الصَّيَّادُ رَجُلاً غَنِيًّا بِفَضْلِ اللهِ بَعْدَ فِقْرٍ شَدِيدٍ، وَشَاعَ خَبَرُهُ في الْبَلْدَةِ حَتَّى وَصَلَ إِلى التَّاجِرِ الطَّمَّاع ِالَّذِي أَبْدَى اسْتِغْرَاباً وَقَالَ لِسُكَّانِ الْبَلْدَةِ: وعاءٌ حَقِيرَةٌ يَفْعَلُ كُلَّ ذّلِكَ، أُقْسِمُ لأَذْهَبَنَّ إِلَى حَاكِمِ الجَّزيرَةِ الغَبِي وَأَحْصُلُ مِنْهُ عَلَى كُلِّ كُنُوزِ الجَّزِيرَةِ.

 اشْتَرَى التَّاجِرُ الطَّمَّاعُ سَفِينَةً كَبِيرَةً وَحَمَّلَهَا بِكِلِّ الْهَدَايَا الثَّمِينَةِ قَاصِداً خِدَاعَ الْحَاكِم ِ السَّاذِجِ.

      وَعِنْدَمَا وَصَلَ التَّاجِرُ وَعُمَّالُهُ إِلَى الجَّزِيرَةِ أُلقِيَ الْقَبْضُ عَلَيْهِمْ وَمَثُلَ التَّاجِرُ أَمَامَ الْحَاكِم ِ .فَسَأَلَهُ الْحَاكِمُ : هَلْ أَنْتَ صَدِيقٌ أَمْ عَدُوٌّ ؟ فَأَجَابَهُ : بَلْ صَدِيقٌ مُحَمّلٌ بِهَدَايَا كَثيرَةٍ تَلِيقُ بِالْحَاكِم ِ الْقَوِيِّ.

     نَظَرَ الْحَاكِمُ إِلى الْهَدَايَا بإِعْجَابٍ وَقَالَ: مَا أَجْمَلَ هَذِهِ الْهَدَايَا! إِنَّهَا أَرْوَعُ مَا شَاهَدَتْ عَيْنِي، فَأَجَابَ التَّاجِرُ: هَذِهِ الْعَبَاءاتُ الْمَنْقُوشَةُ وَالْمُطَرَّزَةُ لمَوْلايَ الْحَاكِم، وَهَذَا الْحَرِيرُ لِنِسَائِكُم ، وَهَذِهِ الرِّمَاحُ الْقَوِيَّةُ لِحُرَّاسِكُم الْمُخْلِصِينَ، فَأَجَابَ الْحَاكِمُ : هَذَا رَائِعٌ، هَذَا مُدْهِشٌ أَنَا لا أَعْرِفُ كَيْفَ أُكَافِئُكَ عَلَى كُلِّ هَذِهِ الْهَدَايَا ، وَلا أَجِدُ بُدًّا سِوَى أَنْ أَخْلَعَ عَلَيْكَ هَذَا التَّاجَ وَهُوَ أَعَزُّ مَا أَمْلُكُ.

     فَأَصَابَتِ الصَّدْمَةُ مِنَ التَّاجِرِ مَقْتَلاً، وَحَمَلَ الوعاءَ عَائِداً إِلى بَلَدِهِ حَامِلاً مَرَارَةَ الذُّلِّ وَالانْكِسَارِ لأَنَهُ حَصَدَ نَتِيجَةَ الطَّمَعِ وَالْحَسَدِ وَظُلْم ِ الآخَرِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ.


معاني المفردات:

رعيته : شعبه.

الاستيلاء : الحصول على الشيء بغير حق.

متواضع : بسيط.

قوت عائلته : طعامهم.

المستبد : الظالم.

المأوى : المسكن.

روعه : خوفه.

يولول : يقول يا ويلي من شدة المصيبة

متلعثماً : مهزوزاً.

شاع : انتشر.

أبدى : أظْهَر.

الساذج : السهل خداعه.

مَثُلَ : وقف.


أسئلة حول القصة:

  1. عدد أبطال القصة؟

  2. ما اسم الرجل الطمَّاع؟ ولماذا هو طمَّاع و شرير في نظر أهل القرية؟

  3. ما اسم الرجل الطيب؟ وماذا كان يعمل؟

  4. ماذا فعل الطماع بالطيب عندما رفض بيعه بيته؟

  5. ماذا حصد كل من الرجلين نتيجة عمله؟

  6. ما العبرة المستفادة من القصة؟

  7. تعد هذه القصة:






Share To: