---------------------------------------------

يعد الأدب فن أداته التعبيرية اللغة، وهي حقيقة عرفها المفكرون عبر القرون، وكثيرًا ما كانت المقارنة بين الإمكانات الدلالية في اللغة وبين الطاقات التعبيرية في النغم وحتى بين تجانس الألوان، ولهذا كان مرتكز التحليل الأدبي على هذه الأنواع، وتقاس جودة النص ورداءته من خلالها.

في ديوان الكاتبة نهلة محمد غزالي اتخذت النصوص أشكالًا متنوعة ما بين الخاطرة والقصيدة النثرية، ولكل نص عنوان ميَّزه عن غيره.

ومن الواضح بروز الاتجاه الرومنسي عند الكاتبة الذي يرتكز على موضوعات الحب في مثالية وعاطفية مسرفة كما تطرقت الكاتبة إضافة للحب إلى موضوعات العتاب والهجر والغربة والهجران وهيمنة الرجل وظلمه للمرأة، فيما كان للروحانية نصيب في هذه المجموعة المتميزة كقصيدة ( الرضا)، وكذلك للأبناء نص بعنوان (أذكريني)ولم يخلُ الديوان من حب الوطن من خلال حبيبة الدنيا ونص في قمة الروعة والجمال "سقوط القناع" 

ومن الملاحظ اهتمام الكاتبة بتصوير مشاعر وانفعالات داخلية وما يعتريها من عواطف وهواجس وشكوك، كما غلب على موضوعاتها تدخل الأقدار وتوجيهها لأدق الأحداث ، واتخاذها في بنائها الفني أكثر من نمط تنوع ما بين ضمير المتكلم " أنا" حيث يشكل فيها الماضي بذكرياته الحدث الأساسي، وضمير الجماعة "نحن" وكذلك ضمير المخاطبة "أنت".

من نص ( موكب النور )تقول الكاتبة:

لملمت الشمس أشعتها الذهب معلنة الرحيل لعالم آخر 

مخلفة بعدها ظلام وصدى جحود وأحضان سكنها الزمهرير

بدلا من الحب والدفء والحنين 

خلع البشر أقنعة الطيبة معلنين عن قدوم الأسوأ 

تجاعيد الوجوه تعانقت و شكلت تلالًا من الجمود لتتناثر 

القسوة بلا حدود 

من الملاحط على ها النص وكل نصوص الكاتبة نهلة تغليب الصورة الفنية على المعمار الفني، ومن ثم فإنَّ العمل الفني ليس هو الحياة ولا هو صورة لها، وليس لنا أن نفرض على الكاتب اتجاهًا معينًا لأن الأديب كما يقول توفيق الحكيم يجب أن يكون حرًّا.

وعلى النطاق الاستعاري والمجازي فقط أعطى ذاك النطاق الكلمات علاقات جديدة، تتجاوز الدلالة المباشرة، فإنَّ الكلمة تتغير قيمتها الدلالية عندما تستخدم بصورة استعارية أو مجازية بحيث تتحول من مجال إلى مجال، كلفظة " الشمس " في النص السابق فقد اكتسبت في سياقها الجديد درجة أعلى من الوضوح؛ لأنها تسترعي الانتباه.

وبما أنَّ الشاعرة عاشت حياة يبدو ريفية، فقد سحرها جمال المشهد إلى حد بعيد، فاهتمت بوصف جمال الطبيعة وصفًا رائعًا جاذبًا غير متكلف ...

من نص "العمر لحظة" تقول:

حين أغمض عينيّ أراك ..

أهيم  في فضاء الحب.. أسكن  القمر 

تغازلني النجوم..لا أخشى العيون 

لا أبالي من الظنون 


ومن نص "من تكون؟" تقول:

صباح الفل على عيونك 

صباحكِ ورود البساتين

أجمل ما في الحياة وجود الحبيب 

وأجمل ما في الوجود وجود الصديق 

مع قدوم الربيع ترتدي الدنيا ثوبها الأخضر 

المزركش بالزهور 

تملأ السماء أغاريد الطيور 

يحلو الأنس بالحبيب 

حروف وكلمات...

حيث تتضح السمات الدلالية للمفردات من وجود كلمات مفردة دالة على الجمال وظواهر الطبيعة. تنتظم الكلمات الدالة على ظواهر الطبيعة في مجموعات دالة على القمر والنجوم والربيع والزهور والطيور... وكلمات كثيرة يعج فيها الديوان بزخم وكثافة لا نظير لهما.

تنوعت النصوص الأدبية تنوعًا كبيرًا في مفرداتها، وهو تنوع فرضته موضوع النصوص كلها وبالتالي بعد النص عن دوامة التكرار المقيت.

وفي نص " لا عليك" الذي حمل عنوان المجموعة تتكامل مجموعة مجالات دلالية حيث يتضح كيفية تكامل مجالين من هذه المجالات، هما الحب وما يتصل به ومجال الكلمات الدالة على عنصر الحركة.

لا عليك 

إن أمضيت عمري باحثة عنك في الشوارع والدروب

لا عليك 

إن تراجعت الأحلام وسيطر الوهم على العقول 

لا عليك 

إن جف الدمع وانطفأ في الأحداق البريق 

وساد ظلام بلا حدود 

لا عليك

في هذه القصيدة على سبيل المثال لا الحصر، نلاحظ التقابل الدلالي المباشر في كلمات وتعبيرات كثيرة، فالشوارع يقابلها الدروب "ترادف" وجف الدمع يقابلها البريق "تضاد"

كما كشفت لنا النصوص عن نفسية الشاعرة التي يمزقها الأسى والحنين والمعاناة والغربة ... كقولها في قصيدة ( بحور الانهيار)

ليلٌ  ثقيل  ..  قمرٌ محجوب  ..  صبرٌ مرير

غربة ليس لها حدود،   اعتقال للربيع ..  هذا أقل  

ما نشعر به عند هجرتنا لبلادنا تاركين الأهل والأحباب 

غارقين في بحور الانهيار ...

ويتمثل الإبداع عند الشاعرة في كثير من النصوص حيث أثبتت الشاعرة نهلة قدرتها على رسم المشاهد الحية والصور الناطقة وبث الحياة فيها، وساعد على ذلك عاطفة جياشة صادقة وخيال واسع أضفى على الصور الفنية الروعة والجمال، وساهمتا في إبرازها.

من قصيدة ( الكل في انتظار) تقول:

في انتظار بزوغ فجر يحمل بين طياته جميل الوعود..

وعود بالسعادة تتجلى بآمال تعيد للنهر الهناء والسرور  

ليغدق على الحدود يانع الزهور...

 فصور الشاعرة حافلة باللون والحركة الموحية والموسيقى الشجية؛ ولهذا فالتميز بارز بقدرة فنية كبيرة، وظواهر الإجادة الفنية نلمحها في أكثر من موضع ونص فهي تعبير كامل عن خلجات الشاعرة النفسية في أعذب لغة موسيقية التي منبعها نفس الشاعرة.

ومن قصيدة رجوتك حبيبي تقول:

رجوتك حبيبي عن ناظريّ لا تغيب

بين حنايا القلب مقيم 

أسلمت أمرك للحاقدين، نقضت عهد الهوى عنوة

هجرت وظننت بهجرك مستفيد 

بين الليل والنهار سفر طويل

تموت الأمنيات، تُذبحُ الأحلام بيد الغدَّارين

في المقطع السابق نجد كلمات ليست كلمات تركب جملة وتنقى معنى مباشرًا فحسب، بل هي رمز بعيد وطاقة شعرية وصورة مصغرة تنطق بكل الدلالات التي جمعها العنوان "لا عليك" ولو تتبعنا الظواهر اللغوية في هذه القصيدة لوجدنا أن الفعل هو العنصر السائد ( رجوتك – أسلمت – نقضت – هجرت – ظننت – تموت ...) وللفعل عادة دور في إقامة علاقات التحويل، فهو يحول الأشياء ويتحول بها ، وكذلك دور الفعل الحركي والانتقال من حالة إلى حالة ، فهو عنصر مضطرب ومتوتر لا يعرف الاستقرار، كما تصيغ الحركة التناقضية في داخلها لحظات المعاناة الحقيقية، وتصبح انفجارًا داخليًا لا يتوحد إلا في إطار نبرة مأساوية شمل أكثر نصوص الديوان:

" تموت الأمنيات، تُذبحُ الأحلام بيد الغدَّارين"

كما كان استخدام الماضي من لدن الشاعرة أكثر من المضارع فهو ذاكرة الكاتبة المحكوم عليها بالغربة والتساؤل والشكوى المريرة، أمَّا المضارع فهو دليل الاستمرارية على مضمون التجربة التي هي وحدة متوازنة.

وختامًا نقول: عسى أن يكون ديوان "لا عليك" أفضل النصوص وأنضجها للشاعر نهلة غزالي ومرآة صادقة للبحث عن الحقيقة، وخطوة لطريق شاقة طويلة.




Share To: