فى إحدى المرات الكثيرة ،وأثناء مرورى؛ علي محطة قطار الإسماعيلية تلك المدينة المدينة التي وقعت في غرامها وسحر ريفها الخلاب منذ أن وقعت عليها عينى أول مرة ففد سكن ريفها مخيلتى وأصبح رمز لجمال الطببعة. فهى بلا شك من أجمل محافظات مصر ، وكان ذلك أثناء فترة تجنيدى فشاهدت حلاق يحلق لزبائنه فى الهواء الطلق دون محل ولا ديكور ولا تعقيدات من طقوس المجتمع المكبلة لانطلاق النفس كان الحلاق يقص الشعر ويقص أكثر منه حكايات ونوادر وقفشات ونكات تتخللها ضحكات منه قبل الزبون حتى بدت سعادة حقيقية عليهما .... أعجبتني الفكرة لصدقها و بساطتها فهما غير عابئين بنظر المارة لهما وهما يجلسان فى مكان مزدحم فهم فى دنيا بسيطة من الأنطلاق والعفوية من الزبون قبل الحلاق...،
وكان أغلبية زبائنه: من الجنود وقليل من الأهالى فكان الزبون يجلس أثناء الحلاقة على كرسي قصير يشبه كرسي الحمام ،وأمام الحلاق شئ قصير لعله كان فى الماضى طقوقة ، أو كانت منضدة من عصور خلت :يضع عليها الحلاق عدته التى لا تزيد عن مشط ومقص ومرأة مستديرة لا يزيد قطرها عن عشر سنتيمترات ، الحلاق يعمل بسرعة شديدة وبمهارة وأحترافية شديدة تنافس مهارته فى الحكى وخفة الظل وجمال روحه وبساطتها .. فهو يحلق وينظر ناحية القطارات ويرد السلام على من يلقى عليه السلام من المارة بأحسن منه ويشرب شفطة من كوب الشاى ثم يضعه ويشد عدة أنفاس من سيجارته أ؛يفعل كل ذلك برشاقة متناهية وهو يدير حوار مع الزبون فى نفس..... يحلق للزبائن وهو ينكت ،ويفتح حوارات لا تنتهي حتي لا يشعر الزبون بالوقت..ولمعت الفكرة في عيني أن أحلق عنده أقصد علي الرصيف وخاصة وأنا شعري: طويل حذرني الضابط مرات وهددنى......فأتجهت ناحيته دون شعور وعندما أقتربت منه ،ترددت بعض الشئ وأثناء ذلك كان ينظر نحوى حتى ألتقت نظراتنا وبعد أن أصبحت من وجهة نظره زبون محتمل فقد قرأ ما يدور فى رأسى لم تخلو نظرته من عتاب لعدم ثقتى الكافية بكفائته وترددى بعض الشئ فى الحلاقة تحت يده ...في تلك اللحظه كان آخر زبون يهم بالقيام من تحت يده ووجدتني دون شعور أجلس على الكرسي وأخذت أقرأ في جريدة الأهرام التي كانت ؛تسكن تحت أبطي لأن أنيس منصور ،وأحمد بهاء الدين من كتابها ،وما زلت أتذكر عمود أحمد بهاء الدين علي يمين الصغحة الأخيرة ،وعمود أنيس منصور على يسارها ... فأنا تعودت منذ فترة قراءة الأهرام من الخلف ،والحلاق يحاول ؛يجرنى لحكايايته الكثبرة ولكني شغلت عنه بقراءة عمود أنيس منصور ،وتصادف أثناء ذلك أن توقف أحد القطارات في المحطة ،وقام بطرد وأفراغ ما داخله وأكثرهم جنود... ثم قام غالبيتهم برفع يده لتحيتي بصفتى زميلهم : كانت تحيتهم أقرب للمظاهرة بصياح وصفير وصوت مرتفع نعيما يا دفعة- أنا بدورى أرد التحية بأحسن منها أقف ناسيا أننى أجلس للحلاقة ،والباعة الجائلون يحملون بضائعهم يطوفون حولى و أمامي ويسألون هل يلزمك شئ ثم تبدأ بينى وبين أحدهم لشراء راديو سانيو يابانى ، تدخل الحلاق فى العملية و حاول تخفيض السعر لصالحي بعد أن ضغط على البائع بعد أن توقفت عملية البيع عدة مرات ... يفعل الحلاق لأني زبونه وأحلق عنده وكانت الصفقة راديو سانيو ب 6جنيه وإذا تعثرت وكنت في حاجة للنقود أبيعه ب 5جنيه ...
وحدث ذلك بالفعل وتعثرت بعدها أو بمعنى أكثر دقة أنا كنت متعثر أكثر أوقاتى... ثم قمت ببيعه للسيد فوزى ب ٤ جنيه ثم قمت بصرفهم فى الحال ثم تذكرت بعدها بقليل برنامج:نادية صالح:زيارة لمكتبة فلان ،فطلبت الراديو من سيد على سبيل الاستعارة لسماع البرنامج فغضب سيد ثم طلب منى الأربعة جنيهات وتننهى عملية البيع برمتها ولكنى أقسمت له أننى قمت بصرفهم ولم يتبقى معى منهم قرشا وقد حدث ذلك بالفعل فوافق سيد ...كنت خلال فترة الحلاقة أشعر بسعادة وأتمنى أن تنتهى سريعا فهى لحظات عفوية منطلقة منفلتة كبت طويل من قيود تشكله قيود إجتماعية كادت أن تطمس روحى ونفسى ... فعشت بذلك تجربة عفوية... الحياة ببساتطها وعفويتها خرجت مشاعر اللامبالاة من كل ما كان يكبلني...... ولكني كنت أبذل مجهودا كبيرا لكي أتمكن من رد تحيات زملائي الجنود وكل من يمر من الأهالي ولسان الجميع :نعيما يا دفعة وأنا ألوح للجميع بيدي ...


Post A Comment: