في أيامه الأخيرة: كان يجلس في المقهي بتواجد شبه دائم فلم أذهب مرة لأنناول القهوة إلا وجدته هناك مشتت حزين ضائع منطفئ ، يجتر عمرا طويلا من الألم أكثر من: ثمانين عاما ذلك تقريبا عمر :عم محمود لا يتحدث مع أحد إلا قليلا أو بمعني أصح لا يعطيه المجموعة من المجموعة التى يجلس معها فرصة للحديث والحوار معهم فكانوا مستخفين به وكان ذلك واضح من طريقة جلوسه على طرف الجلسه بينه وبينهم مسافة تدل على أغتراب مكان وروح ... ...يعتبرونه ضيفا ثقيلا فهو لا بشبههم سطحية وضحالة فكرية وتفاهة إذا حاول أن يشاركهم مضطرا أحاديثم السطحية البذيئة ومزاحهم السخيف التافه الممل فلا يصغي إليه أحد على الإطلاق وهذه شهادة بعدم الوجود كانوا يقتلوه بها... هناك سر دفين في حياة الرجل يجعله يحتمل و يبتلع إهناتهم له وعدم توقيرهم له واحترامه بالقدر الكافي وهو فى هذه المرحلة المتقدمة من العمر ...يجلس معهم كثيرا لم يبدو يومآ من نظراته لهم أنه يحبهم وهم يتبادلونه شعوره ...ما السر فى ذلك هل بسبب ذلك تواجدهم لوقت طويل فالغالبية منهم لا عمل له إلا الجلوس بالمقهى ويأتى جلوسه معهم لكسر للملل وقتل لوقت الفراغ وهروب من الوحدة وشعور بالتواصل مع الآخرين ..؟ ..... إذا نظرت في وجهه وتفرست فيه جيدا لن تخطئ نظرتك أنه قد قست عليه الدنيا كثيرا حتي حولته إلي ذلك: الكائن الأقرب للشبح المهدم المتصدع إلا من بعض الصبر عل الله يغفر له بسببه يوم يلقاه..كنت أتعجب وأتساءل ألا يمل هذا الرجل الوجود الطويل الممل في المقهي؟ كنت أشفق عليه وأصل معه بعض أطراف الحديث وحكايات من باب الشفقة وأقول في نفسي: ما عسي أن يجمعني به من أمور وأهتمامات فى الحياة مشتركة فكل ما أنا مقبل عليه وأنا تلك السن الصغير من العمر لا يمثل للرجل أى أهمية على الإطلاق ... أعتقد بأنه لا شئ بيننا مشترك غير غموضه وحزنه غير المبرر من وجهة نظرى ومحاولتى الوقوف على سر الرجل شفقة عليه ذكر لى فى يوم وأنا أتناول القهوة أنه كان: يعرف والدي ويعرف إسمي أيضا وهذا لم أكن أتوقعه وما فهمته أنه يطلب منى أن أتبادل الحديث معه وفى عينيه نظرة رجاء ألا أخذله أو أسخر منه كما تفعل معه المجموعة التى يجلس معها ..
وقد حدث ذلك في عدة مرات تبدل حال الرجل بعض الشئ بعدها شعر بذاته شاهدت شخص آخر كان يسكن بداخله مخبء استدعى من أعماقه وأغوار نفسه ما كان يحمله من الماضى من كل ما هو جميل من ذكريات أصبح أكثر قدرة على لملمة روحه ونفسه بعد بعثرتها وتشظيها بعد أن سحقها الوجود لسبب ما زلت أجهله ، أصبح مقبل علي الحياة بدهشة البدايات الأولي الأشياء ومتعتها وكثافتها الجمالية ، أصبح يشعر أن له بعض الأهمية فهناك من يبدأ ويرغب فى الحديث معه حديث أشرق وجه من الأمل يتسلل لعينيه بريق يحمل فرحة الأطفال ، وكان يحاول أن يطيل الأحاديث معي ولكني كنت علي عجل وكانت أيضا خبرتي وتجربتي في الحياة: قليله فأنا في العشرين من عمري لم أكن أعرف أنه يريد قتل الوقت بإطالة الحديث وأنه يريد أن يشعر أنه : ما زال علي قيد الحياه ويريد العودة لها فالرجل كان شبه ميت كنت أخذله كثيرا أنا أيضا في بعض المرات مثل المجموعة السطحية التافهة التى كان بجوراها وعلى أطرافها على استحياء وبعض الخوف منهم ..
توفي عم محمود فجأة وفي طريق العودة من جنازته كان يسير معي أحد جيرانه وتبادلنا الحديث عن المتوفي فقال لي الجار متطوعا دون أن أطلب منه :أن زوجة إبنه قد ظلمته كثيرا... ... لأنها كانت تعامله بقسوة وتجبره على الخروج من المنزل كل يوم وقت مبكر وتشطرت عليه أن لا يعود إلا فى المساء متأخرا ، وقد توفت زوجته حزنا على إبنهما الوحيد بعد أن : توفي في حادث أليم تحطم الرجل بعدها ولم يجد مأوي إلي؛ بيت أولاد إبنه الصغار وزوجة إبنه التي تحرمه الجلوس معهم إلا قليلا من الوقت القصير.... كان صبر عم محمود علي زوجة إبنه من أجل :أن ينظر لأولاد إبنه ليتذكر إبنه الوحيد...


Post A Comment: