عقب انتهاء الحرب الباردة و الصراع الأيديولوجي الذي قسم العالم بين المعسكر السوفياتي الشيوعي ومعسكر الغرب (الديمقراطي)
ظهرت نظرية صدام الحضارات "Clash of Civilizations" كمحدد لطبيعة العلاقات الدولية حيث قام صامويل هانتينغتون سنة 1993 بكتابة مقال بعنوان " صدام الحضارات الذي نشرته مجلة فورين أفيرز و كان بحثاً بلا منازع الأكبر تأثيراً من الناحية الأكاديمية في العصر الحديث و أثار جدلا فكريا و سياسيا على مستوى العالم ، كان المقال في البداية ردا على أطروحة لتلميذ له دعى فيها الحضارات إللى التحالف و التآلف ، و حول هانتينغتون مقالاته سنة 1996 إلى كتاب "صدام الحضارات إعادة صنع النظام العالمي" الذي يعد حجر أساس يعتمده أنصار هذه النظرية كمرجعية أساسية في تفسيرهم للعلاقات الدولية.
هانتينغتون( 1927- 2008) هو مفكر سياسي و فيلسوف أمريكي و باحث في الشؤون الدولية والسياسة الخارجية. قدم أيضا إستشارات للإدارة الأمريكية في عهد جيمي كارتر و درَّس في جامعة هارفارد لمدة 58 سنة .
يقول سامويل هانتينغتون أن العالم مر بفترات صراع تاريخية، ميزت كل فترة لون معين من الصراع، وأننا نعيش اليوم مرحلة صراع الحضارات .
-فترة صراع الملوك: وهي الفترة من فجر التاريخ وإلى الثورة الفرنسية 1790
-فترة صراع القوميات: وهي الفترة الممتدة من الثورة الفرنسية 1790 وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1918.
-فترة صراع الايدلوجيات (التيارات السياسية): وهي فترة ظهور الشيوعية والفاشية والنازية والرأسمالية والليبرالية الديموقراطية. بدأت هذه الفترة مع انتصار الثورة الشيوعية في روسيا واستمرت خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة بين الامريكان والسوفييت.
صراع الحضارات: وهي الفترة الممتدة منذ سقوط الاتحاد السوفيتي سنة 1991 وحتى يومنا هذا .
لقد وصلت الحرب الباردة إلى النهاية. وقد انتهت حالة ثنائية الأقطاب و شيع الإتحاد السوفياتي إلى مثواه الأخير فكان لابد من إيجاد عدو جديد لأمريكا يأخد مكانه من أجل "استمرار العوامل المحرضة على النهضة والمحركة لها "
فلا توجد حياة بلا صراع , ولا يوجد نهاية للصراع
وتتلخص الأطروحة المحورية التي جاء بها الكتاب في أن الصراع المستقبلي لن يكون بين الدول ولا بين الإيديولوجيات ، ولن يكون كذلك صراعا اقتصاديا بقدر ما سيكون صراعا بين الثقافات والحضارات. والعوامل الثقافية المشتركة كالدين مثلا تساعد في بناء تكتلات إقتصادية متماسكة و هو ما سيؤدي إلى نمو الهويات الإثنية و الثقافية للحضارات و تغلبها على الاختلافات الأيديولوجية فيما بينها.
و قسم الحضارات التي تشكل تلك التماثلات و الاختلافات الثقافية و المصالح و التجمعات بين الدول إلى تسعة :
الحضارة الغربية ( تضم أمريكا الشمالية و أوروبا الغربية و استراليا ) الحضارة اللاتينية، الحضارة اليابانية، الحضارة الصينية، الحضارة الهندية، الحضارة الإسلامية، الحضارة الأرثوذكسية ( تضم روسيا و أوروبا الشرقية ) ، الحضارة الإفريقية، الحضارة البوذية.
وفي هذا الإطار توقع هانتينغتون أن الحضارة الغربية ستجد نفسها أمام تحد متزايد مع غيرها من الحضارات وخاصة مع مجموعة الحضارات الاسيوية نظرا للنمو الاقتصادي الكبير الذي حقَّفته دون أن تتغرب ، و سيركز اكثر على الصراع مع الحضارة الإسلامية و يعتبره الصراع الأساسي لهذه النظرية ،
فهو يجزم أنَّ خطاب الصدام موجود في الغرب كما هو موجود في الإسلام و كلاهما يعتقد بالصدام و هذا ما يثبته الحراك التاريخي و هو ليس صراعا طارئا ظرفيا خلقته خلافات بين الغرب و تيارات أصولية بعينها بل هو صدام بين الغرب و الإسلام بحد ذاته ، كما هو الحال في صراع الإسلام مع الغرب و ليس جهة معينة فيه بحد ذاتها .
فالإسلام كديانة بحسب قوله تدعو لصهر الآخر وتذويبه، وأكثر من ذلك إلى نبذه و قتاله. وهي ديانة لا تقبل الحداثة التي ينبني عليها المشروع الغربي .
هو حضارة مختلفة , شعبها مقتنع بتفوق ثقافته و المسلمون يحاربون بعضهم البعض كما أنهم يحاربون غير المسلمين وذلك بمعدل أكثر بكثير مما تقوم به شعوب الحضارات الأخرى , وأن حروب المسلمين شكل أساسي للصراع الدولي المعاصر , وهذه الحروب تتضمن حروب الإرهاب وحروب العصابات والقرصنة والحروب الأهلية والصراعات بين الدول , وقد يتخذ هذا العنف وهذه الحروب أبعاداً تصل بها إلى صراع رئيسي وحيد بين الإسلام والغرب أو بين الإسلام وباقي العالم.
واستشهد بأمثلة الصراعات في البوسنة والهرسك ، الشيشان ، القضية الفلسطينية ، صراع السودان بين شماله و جنوبه ، الصراع بين باكستان والهند، الخلاف بين المسلمين و الهندوس داخل الهند ، مشاكل المسلمين في الصين صراعات المسلمين الآذاريين مع الأرمن ، صراعات المسلمين في آسيا الوسطى مع الروس ، مشاكل المسلمين الأتراك في بلغاريا ..
و قال أن المسيحية تنتشر أساساً عن طريق التحول بينما الإسلام ينتشر عن طريق التحول والتناسل , لذا على المدى الطويل سيتفوق النمو السكانى في الدول الإسلامية و سيقدم مجندين جدد للأصولية والإرهاب والتمرد والهجرة إلى أوروبا
وستتنامي العنصرية في ألمانيا وإيطاليا ضد المهاجرين من شمال أفريقيا و تركيا ..
بعد مرور خمس سنوات على إصدار الكتاب و بالضبط بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ، والتي وصفها الرئيس جورج بوش في خطابه الديماغوجي ببداية صدام تاريخي جديد بين الخير والشر ، بين “من معنا ومن ضدنا”، برزت أطروحة هانتنغتون بشكل أقوى من السابق. و حضيت باهتمام كبير خاصة في الشرق الأوسط حيث كانت الترجمة العربية للكتاب تتيح ل250 مليون عربي فرصة قراءتها .
وندد الكثير من المفكرين والكتاب العرب بالكاتب و أطروحة صدام الحضارات لأنها برأيهم أطروحة ضد الإسلام حصراً وتحديداً، فالكتاب على حد زعمهم يبشر صراحةً بحربٍ
حضارية وسياسية و وجودية ضد العالم الإسلامي.
و إعتبروه أساسا نظريا لشرعنة عدوان الغرب عليهم و أنها المسؤولة عن تأسيس الإسلاموفوبيا .
و حضي هذا التنديد بالتأييد الشعبي في الشارع العربي .
كان لمفكرين آخرين قراءة مختلفة أكثر تأنيا و هدوءا ، فهم يرون أن هانتنغتون لا يبشر بالصدام ولا يتعطش إليه شخصياً ، وليس له أي عدوانية للإسلام والعرب ولا يكتب برنامجاً سياسياً للحكومة الأميركية تبرر به مشاريعها العدائية.
إلا أنه يقترح أنَّ الصدام محتوم تاريخياً لأنَّ الطرف الأكثر تضاداً مع الإسلام هي الحضارة الغربية دون سواها. و ما يغذي حتمية هذا الصدام ، هو عودة الدين للعب دورٍ عضوي في تكوين وتوجيه الحراك الحضاري سواء الغربي او نظيره الإسلامي . و هو بذلك اعتمد على قراءة ماضي تلك الحضارات ليتوقع مسارها المستقبلي . فهانتينغتون
يؤكد على وجود توابث أساسية مرجعية في هوية كل حضارة و هي التي تجعل الصدام لا مفر منه :
“الغرور الغربي، التعصب الإسلامي، واليقينية الصينية”
و بالتالي فالامتعاض من نظرية هانتـنغتون في الأوساط الإسلامية والعالمية لا يكمن في وصف هذه النظرية لمصير العالم بحد ذاته بل في تشديدها بشكل حاسم على حتمية هذا المصير انطلاقاً من منهج معرفي تاريخاني لا يؤمن بالقدرة على تغيير الحراك التاريخي بل بالرضوخ لحتمية هذا الحراك .
ذهنية لا تشجِّع الإنسان على محاولة القيام بعمل فاعل لصنع مستقبل يقوم على التفاؤل بمصالحة حضارية وعلى الإقبال على الآخر واحتضانه والحوار معه بدلاً من الصدام والتنافس.
إذن فالمشكلة الحقيقة ليست في نوايا هانتنغتون بل في منهجه المعرفي التاريخاني واحتمال تبنيه من قبل أطراف هدفها إشعال فتيل الصدام بأي ثمن و بأي ذريعة .
في النهاية نقول لو عاش هانتنغتون الى يومنا هذا لكان شاهد كيف أن الدول عادت لتتصارع بينها حتى وان كانت متجاورة في نفس الإقليم ولها نفس الدين ونفس الثقافة والتراث بل إن أصحاب الأديان المختلفة صاروا حلفاء
و لشاهد كيف تتصدع الأديان والايديولوجيات والطوائف والاعراق الواحدة ، و كيف اصبحت الخيارات المتباينة المتناقضة تحطم الاحلاف الاستراتيجية والتكتلات الاقتصادية المتينة والتجمعات الاقليمية العريقة بل وتهدد نسيج المجتمعات والشعوب .



Post A Comment: