انتترت من نومي مفزوعا علي صوت جرس التليفون، دق قلبي دقات متتابعة ،خطوت مرتعدا صوب الصوت الذي بدا لي مزعجا ولا نهاية له  .رفعت بصعوبة سماعة التليفون الموضوع أمام  المرآة، فهالني ما رأيت، وجهي شاحب، وتموج فيه نظرة عيني المتعبتين،أسفلهما هالات سوداء ، ،ملامحي مجهدة ،وحادة  في آن  واحد  ،اتنفس بصعوبة .أرق لازمني حتي الصباح .
-الو ..ألو..
-كيف حالك يا صديقي ؟
-من معي ؟
-علي حسنين  ،أحد زملاء الدراسة القدامي، تخرج من هندسه، خدم في الجيش، ثم سافر إلي الخليج للعمل ، سمعنا بعد فترة من الزمن، إنه تزوج  من إبنة كفيله هناك ،وأنجب منها ، شاب لطيف، و،يشهد له علي الدوام إنه كفء ،وأمين.     
 . هل مازال يتذكر نمرتنا القديمه ؟إلي هذه الدرجة ما زال يتذكرني؟ كم مر من السنين ؟عشر ..عشرون .تري ماذا يريد ؟سألني عن أحوالي؟ وعن العمل ؟وعن ما إذا كنت مازلت أحلم بالعيش في فرنسا؟ قال لي :ظننت أنني لن أجدك.!.فقلت له :إن بعض الظن إثم ياصديقي .ضحكنا كثيرا ،ونحن نتذكر أيام الدراسة.
لكن عندما سألني عن عمر اطفالي ؟أجبته أنني لم ولن اقع في هذا الفخ ابدا،وأنني مازلت حرا،افعل ما أريد ،اخرج متي أريد  ،وأعود متي أريد  ،خشيت ان أخسره ،ورغبت أيضا ، ألا أظهر خيبتي وحزني، ووحدتي ،خبرة وعادة اكتسبتها من مخالطة الناس والمعارف ،ومن كثرة أسئلتهم   !! اعطاني عنوان احد معارفه ورجاني كتابته للأهمية، وطلب مني  الذهاب لمقابلة الدكتور /رمزي السمري.فيلا  5حي الزهور .
وكأن باقة من ورود الأمل قد ألقت من السماء علي روحي  ،رحت أرتب الملاءات والاغطية،  ثم اتجهت لغسل وجهي، ثم إعداد إفطار مناسب للحدث، تذكرت فجاءة عصام فريد  زميلي،  الذي أخبرني أكثر من مرة أنني بحاجة إلي بزة  جديدة، فشعرت بوخز في بطني، لكنني قاومت ،رحت نحو المرآة وتحسست ذقني وقررت حلاقتها. 
أمضيت اليوم في قلق ،مابين متابعة النشرات الإخبارية، ومشاهدة الأفلام القديمة ،والتدخين،  حتي اقترب الغروب ، حينئذ ارتديت ملابسي، ثم أشعلت سيجارة ..كان شعوري بالوحدة قد ازدادت  قسوته، بعد موت أمي، أصبحت وحيدا .كانت قد ألحت علي فيما مضي ،أن أتزوج، كانت  تخشي أن تذهب ،وتتركني وحدي .بعد وفاتها ببضعة أسابيع فكرت في السفر إلي فرنسا ،للعيش ،والعمل هناك .قدمت علي الفور ،وبدون تفكير  جواز سفري في القنصلية ،وتركت نفسي فريسة لأحلام، ورؤي مضطربة ،مزيج من الوهم والأفكار المشوشة ،وصراع باطني عميق ،وخفي. كنت أعرف في أعماقي أنني أريد إبنة  بلدي السمراء ،وعلي السطح كنت أحلم بشقراء فرنسية ،أو ربما التسكع في سان دو ني ،ومشاهدة النساء وهن عاريات في الفترين.لم أنم ليلتها، وواصلت الليل بالنهار من شدة القلق ، وقفت عند مكتب الأمن فسألني :ماذا تريد ؟
قلت لهم : طلبت تأشيرة. 
نظر موظف الأمن إلي كومة كبيرة  من جوازات السفر ،موضوعة بعناية ،فوق بعضها البعض .بحث داخلها عن الإسم، فوجد الجواز ،وأعطاه لي .شعرت بدوار لدقائق .فتحت الجواز ،فوجدت ختم رفض بالأحمر، ومؤرخ بيوم  الطلب .
شعرت إنني حصلت علي تأشيرة دخول مرة ثانية إلي مصر .وانني وصلت لتوي أرض الكنانة .خرجت في أبهي صوري ،قاصدا الشارع الرئيس، وأوقفت سيارة أجرة تاكسي .
الأشجار تطل أوراقها الوارفة  خارج المنزل ،لتقترب من اللوحة المكتوب عليها :فيلا رمزي السمري ، طرقت الباب الخشبي الأخضر ثم التفت لوجود جرس فضغطت  عليه،فصدح  كروان .خرج رجل ذو  شعر أبيض قصير ،طويل ،يرتدي روب كاروهات بيج في بني .رحب بي،وهو يفتح الباب الخشبي  .قلت له :انا من طرف علي حسنين  فسلم علي بأدب جم ثم ، ادخلني .مساء لطيف للغاية ،نسمة رقيقة ،ومنعشة تسبح في الجو .أشار بيده  إلى  فوتي أحمر في الحديقة،فجلست عليه  ثم جلس قبالتي. 
-ماذا تشرب ؟فشكرته فألح  ،قال :عندي بيرة ،فطفت بسمه علي وجهي  .قام ودخل عبر ممر اسمنتي صغير  تحفه الورود.من الجانبين ،إلي  المطبخ، ثم عاد بعد دقائق  ،وفي يده زجاجة بيرة ، وكوب ،ووضعهما امامي وجلس ،وهو  يقول :خالية من الكحل ،لكنها مرطبه في هذا الجو الحار فشكرته علي الفور . سألني :من والدك ؟
قلت له:رفعت سالم، كان موظفا في المديرية المالية، توفاه الله منذ 13عاما 
أطرق الرجل ساهما، وكأنه تذكر شيئا ثم قال متأوها  : ياه ياه ..يالها من أيام ، من أنت ؟
قلت له :أنا الأوسط ،، ينادونني حماده 
قال :قابلت والدك وجلسنا معا أكثر من مرة ، كان خفيف الظل ،صاحب قفشات، رحمه الله ورحمنا أيضا .
فجاءة وجدت أمامي فتاة شقراء،  في نفس طوله، ألقت السلام علي استحياء ثم قالت :بابا ميعاد الدواء ،فنظر لها ثم توجهه نحوي وقال ؛ابنتي ساره، حماده  ،ابن واحد من أعز أصدقائي . وكأن حورية هبطت من السماء لتخدم علي مائدة عابري السبيل ، والعشاق ،ما هذا الانف والفم الورديين؟، ما هذة النحافة الخلابة الساحرة ؟ ما هذة الجلابيه القماش  الجذابة؟، وكأن نفسي سرقتني من نفسي ،عيناها، كأنها كانت تبحث عني ،وميض سحري  ،دخل الرجل مع سارة ثم عاد ، ومعه مظروف مغلق وأعطاه لي فأخذته ثم قال :أنا مسافر لأمريكا ،سوف أنتظر تليفون علي. 




Share To: