يوظف الروائي المصري يوسف القعيد في روايته (البيات الشتوي) طبيعة أهالي القرى المصرية البسيطة لصنع مفارقة لطيفة. تبدأ الحكاية عندما يصل إلى حياة سكان قرية (السوالم) خبر يوقظها من غفوتها التي امتدت قرونا. ففي خريف سنة ٦٤ تؤكد بعثة حكومية وجود النفط في أراضي القرية وتحديدا على أرض يملكها (ورداني) أحد أكثر سكانها فقرا. لكن الحكومة وبعد مدة من الحفر توقف المشروع بسبب عدم جدواه الاقتصادية.
بين قرار الحفر الذي دام شهورا قليلة ثم الإيقاف تكون قد طرأت في وجدان مجتمع (السوالم) هزة عنيفة.
على الخبر تستيقظ من المجهول أحلام وآماني. وينشأ تحت ضربات الحفار صراع نفس -اجتماعي بين نمط عيش وتفكير متوارث منذ مئات وربما آلاف السنين وبين احتمالات الحياة الجديدة. وانتبه سكانها البسطاء إلى أن حياتهم عبارة عن جثة محنطة في متحف الزمن. الزمن الذي كان يتوزع في عالمهم بين أماكن محدودة؛ الغيط، والسوق، والقليل القليل من زيارات خاطفة لـ(البندر)، فيما عدا أن رجالها يحصلون على امتياز إضافي عن نسائها هو السمر في عشة (سلسبيلة على الله) المرأة الغاوية الجميلة التي يمضي الرجال لياليهم فيها يدخنون الجوزة ويشربون الشاي والثرثرة المستعادة. لكن ما حمله النفط من وعود الثراء والتغيير، كان قد غيّر تفكير وآمال أهل القرية مثل حب الدين سرحان، وعشيقته سلسبيلة على الله، و(أبو السعود أبو السعود)، وفتحي سالم، و(لملوم) الذي أخذ وعدا من مهندس الحفر بأن أيكون رئيس شؤون العمال. وحول وعد النفط ليالي سمر رجال السوالم إلى الحديث عن المناصب والوظائف والنقاشات وإلى معارك تركت ندوبا في القلوب والنفوس والكره لبعضهم البعض! وفي الزمن بين الحفر ووقفه خاصم أهل البلد الحقول والسواقي والأرض والبيوت والماء. فلم يذهبوا الى الحقول منذ سمعوا بخبر النفط واكتفوا بانتظار الثراء الموعود.
كان كل واحد منهم بعد إيقاف الحفر لا يعرف كيف يسترجع حياته التي فقدت منه. كيف سيذهب غدا إلى الحقل، كيف سيواجه أرضه، الأرض التي أصبحت غريبة عليه وفي القلب والعين ينمو إحساس مر بالخيانة.




Post A Comment: