أخرج الصورة من محفظة نقوده، تحسس بأطراف أصابعه حوافها المشعثة.مسح بعينيه سطحها الذي تشققت بعض جوانبه، وبدأت ملامح الموجودين فيها تفقد وضوحها.قلب الصورة ليقرأ ما كتب على ظهرها ،كأنه يطلع عليه للمرة الأولى.مضت خمس سنوات على توصله بالصورة ، لكنه كلما نظر إليها ،أحس كأنه تسلمها لتوه.أرجع الصورة إلى  جيب جاكطته، وعلقها على مشجب في "براكة الرفاق "؛ كما دأب ،مع مجموعة من رفاق النضال ،على تسميتها. لقد باتت مأوى للقلة الباقية على العهد، يقضون فيها جل أوقاتهم ،يتقدمهم الحاج صاحب البراكة ،الذي أقام أركانها إبان مرورهم القصير بالمجلس البلدي، قبل أن يزج بهم في السجن، بسبب تهم مازالوا يعتبرونها مفبركة للتخلص منهم،وفتح الباب مشرعا أمام مرشحي السلطة.                                                                                       حمل عدة الصيد،وتوجه إلى البحرالذي لا يبعد عن البراكة إلا بأمتار قليلة.وقف على أعلى الجرف الصخري ، تراءى  له البحر هاوية سحيقة.عليه أن ينزل من مكان يشبه جدارا مائلا بدرجة خفيفة .يحتاج إلى احتياط شديد ،ليتدرج عبر خدوش نحيفة ، يضع عليها قدميه .على ظهره سلة من القصب ملفوفة بقماش أخضر متين، يحول دون تسرب أشعة الشمس إلى داخلها ،محافظا بذلك على الطعوم المختلفة حتى لا تفسد.تمكن بخبرة السنين من النزول بأمان، متكئا على قصبة الصيد في يده اليمنى، وفي اليسرى د لو فيه  قطعة من خيش مبلل.وقف على صخرة كبير مسطحة بها حفر صغيرة مليئة بمياه البحر. ركب أجزاء القصبة البالغ طولها خمسة أمتار.اختار قطعة الرصاص والصنارة الملائمتين . وضع القصبة جانبا.صب كأس قهوة سادة من "الترموس " الذي لا يفارقه.أشعل سيجارة، شفط  شفطة عميقة حافظ عليها في صدره أطول مدة. ثم طفق يخرج الدخان على مهل، مشكلا دوائر مفرغة، تتسع شيئا فشيئا،لتتلاشى مصطدمة برذاذ الأمواج الذي يحتك بوجهه،يتلمظ ملوحته ويتشمم رائحته.
امتد بصره إلى أبعد نقطة ممكنة.عاود النظر إلى الزبد المتراكم ؛فقاعات لا حصر لها تتكاثف مشكلة حاجزا بين الزرقة الممتدة على حد البصر، والبياض الناصع الناجم عن اصطدام الأمواج العنيف بالحافات الصخرية الحادة، كأسياخ من حديد صدئ. بدا له الزبد كقطعة إسفنج ضخمة متماسكة.لما دفعتها الأمواج بالقرب منه اتضح له أن لونها ليس أبيض تماما،بل بياضها تشوبه صفرة غامقة.
"هذه صورتي مع زوجي بابلو، تزوجنا منذ سنة ،وابنتي ماريا عمرها عشر سنوات... آخر كلماتي إليك،يا توأم البحر،دعني أعيش حياتي ..."  كلمات كاترينا كانت موجزة لكنها حاسمة.
 سوى الطعم في الصنارة ،أمسك بيد أسفل القصبة، وبالأخرى ضغط  بمحاداة "الماكنة"، بينما السبابة معكوفة تمسك بخيط الصيد. تقدم قليلا إلى الأمام بحذر.أرجع القصبة إلى الوراء، ثنى الجزء العلوي من جسمه إلى الخلف وطوح بالصنارة أبعد ما يمكن عن الزبد المركوم، مثلما طوح بسنوات  من عمره وراء سراب خادع.  
 ماريا الآن تبلغ  خمس عشرة سنة،وهي نفس المدة التي ترك فيها لاس بالماس محملا بالخيبة،بعدما اكتشف عشقه الجارف للبحر. تعرف على كاترينا على شاطئ البحر.كانت شابة مختلفة عن كل اللائي عرفهن من قبل.قضيا أياما، عاشا خلالها حياة بوهيمية برفقة معشوقهما المشترك. ساعتها كان طالبا جامعيا في سنته الأخيرة، متمردا على الأوضاع يصبو مع رفاق الدرب إلى بناء مجتمع تسوده العدالة والحرية وكرامة الإنسان.
سافرت كاترينا إلى بلدها،لكنها ظلت تحلم برفيق البحر.كلما سمحت لها الفرصة زارته.
بعد تخرجه من الجامعة ،بالرغم من الجهود المضنية، التي قام بها هو وكل العائلة بطرق مشروعة وغير مشروعة،لم يفلح في الحصول على وظيفة.التحق بصفوف الخريجين المعطلين عن العمل...
 كغيره من الشباب جرب قوارب الموت أكثر من مرة.كادت حياته خلالها أن تذهب هباء.لم يستسلم ،الموت في البحر اهون من ذل البر. نجح أخيرا وعبر إلى الضفة الأخرى،حيث وجد كاترينا في انتظاره.قضى معها سنتين، تقلب خلالهما في عدة أعمال، بعضها كان في البحر. فاجأها  ذات وضع حميمي، "للبحرفي وطني طعم مختلف،تعالي معي لنعيش معا في كنف بحر يعرفنا ونعرفه." 
سبابته الخبيرة بنقرات أنواع السمك، استشعرت شيئا ما،عالجها بخبرة إلى أن أخرجها من المياه المتلاطمة سمكة فضية لامعة.ماريا عمرها الآن خمسة عشر عاما.ملامح وجهها ،لون عينيها ، شعرها وكل شيء فيها يناديه.شعور غامض يشده إليها.كتب رسالة واحدة ، كلما هم بإرسالها وجد البحر أمامه فيهديها إليه في قنينة صب محتواها في جوفه.حاول أن يستجيب لإلحاح أمه،فقبل أن تخطب له فتاة من معارفهم.لم تمض أسابيع، حتى اتصل بخطيبته معتذرا لها وفسخ الخطبة.
- ماذا جنيت من عشقك لبحرالوطن؟؟ السجن والخواء...تلك كانت كلمات كاترينا في رسالتها ما قبل الأخيرة.  
أخذ السمكة الفضية الجميلة ،لفها في قطعة الخيش ورشها  بماء إحدى الحفرلتحافظ على طراوتها. وضعها بعناية في الدلو. 
هيأ الصنارة من جديد، هذه  المرة قرر، بشجاعة غير معهودة ، أن يلقيها بعيدا بعيدا هنالك وراء الزبد المركوم.




Share To: