ـ انتهيت . إنتهى إبنك المُطِي يا فْطَيْمَه . هذه هي نهايتي . ويلكِ يا أماه تعالي لابنك الجحش الذي ورطاه بهذه البَلِيّة . إنتهيت .. انتهيت ..انتهيت .
كان علاوي الحوم يمكث طويلاً باكياً ، و ينصب إذنيه لكي يلتقط ما يجري ، ثم فجأة لاح له الرأس يتحرى من فوق مكمنه تماماً.
***
من خارج السياج ، يئس الولدان، دون أن يستدلا على مصير صاحبهما .
مضى الوقت .. و علاوي الحوم مجهول المصير . و كان الخوف يستحوذ على قلبَيْ الأخوين ، فالمشكلة ستكون وبيلة عليهم جميعاً وعلى آبويهم .
قال الكبير و هو يقتله القلق :
ـ أين ولّى ؟ دخيلك يا إمامي يا حاضر الشِدّات ، خلصنا من هذه البليّة . أريدها من شاربك يا حاضر الشدّات .
و عندما فقدا الأمل عادا أدراجهما إلى البيت ، و ظلا في حيرة .. ماذا حدث ؟ هل أمسكوا به . كان الإثنان قد قرفصا في ربضة الدار من الخارج ، و ظلا يفكران بالأمر .
قال الكبير لأخيه :
ـ إنه هو الذي أبدى رغبته . و لم يدر ببالنا أية فكرة للسطو . كنّا نتمنى فقط ان نحصل على رمانة متدلية . أليس صحيحا؟
كان الكبير .. يريد من أخيه أن يؤيده .
جلس الإثنان في ربضة باب الدار ، قال الكبير :
ـ اتعرف ماذا تصنع أمي لو درت ماذا جرى لإبن فطيمة ؟ لا تقل أي كلام عنه. لو علم والدنا : فأي مصيبة ستحل ؟ نهضا و أطبقا لوح الباب ، ثم دخلا للكوخ .
نظرت إليهما الأم متوجسة :
ـ أين الفَرَخْ ؟
قال الكبير متلعثماً :
ـ تعطل و لا ندري .
خرطت خديها :
ـ كيف لا تدري ؟ ياع.. ياع .. ياع . الفلك طرّك و طر الخَلَّفَك. أين الفرخ ؟ هل أمسكوأ به ؟ لو حدث ذلك .. أتعرفان ما الذي يحدث لأبيكما المقرود(2) ؟ ما الذي أعمله الآن؟
الشيخ شدّ ( بَرشْان) لثلاثة أيام بكاملها على شبة المضيف و كَسَّر الخيزران على جسده ، وجعل بوله و شماطه تحت قدميه ، لأنه أغلق ساقية الماء عن الحديقة . ما الذي سيفعله مع ابيكما المقرود ، و أنتما تداهمان حديقة قصر زوجته الحضرية ؟
ضربت إبنيها بمحراث التنور ، و أخرجتهما إلى ربعة البيت .
ظلّت تلطم وجهها و تولْول :
ـ ويه .. ويه .. ويه . بِأيّة مصيبة أوقعتمونا يا أبناء الفاجرة ؟
منذ أن رافقتما إبن المقطومه فَطُّومَة تصخّم وجهي ووجه أبيكما.
نادت عليهما :
ـ تعالا هنا .أين تركتما الفرخ ؟ أتعرفان ماذا يحدث يا أبناء الفاجرة ؟ سيجيؤون و يفعلون بأبيكما كما فعلوا ببرشان.
فجأة اندفعت لوح باب الحوش بقوة و هتفت مهلوعة :
ـ جاءوا ...
***
اجتاز ابن فطيمه الباب ،و هتف ابنها الكبير :
ـ إبن فطيمه . جاء ابن فطيمه و معه الكيس .
دخل إلى الكوخ . طرح الكيس .. بدا على ذبالة ضوء اللمبة ملوث الوجه و الملابس بالطين . لا يبدو من وجهه سوى بياض أسنانه و عينيه .
أخذت الأم الكيس و دمغته على رأسه :
ـ فلك طرّ افطيمة على هاي الخَلْفَة .
قال :
ـ خاله لا تخافين . ألا تعرفين الحوم ؟ أتيت لك أنت و فطيمة بالطرنج و الرمان . قولي لولديك : لماذا تخليا عني و نكثا العهد؟ ألم نتفق على أن يصفرا عندما يراقبني أحد أبناء الشيخ ؟
قالت :
ـ طرنجة بعينك و عين امك .
قال :
، سأُذوِّقك الطرنج لأول مرة .
وضعت الكيس في السدانة(3) و أغلقتها .
قالت له :
ـ فلك طرك و طرّ امك .. هل شاهدك أحد ؟
ـ أتيت داخل الساقية . لم اترك لأحد أن يشاهدني . و قلت لن أعود مالم آتيك بالطرنج . لك انت خصوصاً و لأمي . عمرك لم تعرفي ماهو الطرنج صحيح؟
قال له الكبير :
ـ أين كنت و نحن متنا من الانتظار ؟ ما هذا الطين و هذه الرائحة ؟ هل بلت قي ثوبك ؟
قال و هو يسب و يشتم :
ـ لقد بِلْتُ . هل أنا في حفلة راقصة ؟ أم ذهبت لِحَلْق الموت ؟ سأقول لكم لماذا بلت بعد ان اذهب للشط و اغتسل.
ثم انكم لم تصفروا بينما أبناء الشيخ يراقبوني لعدة مرات من خارج السياج ؟. كان يطل احدهم برأسه عدة مرات بحثاً عني لآن الغصن الذي انكسر أصدر صوتاً فسمعوه . أين كنتما ؟ كل هذا يحدث و لم تصفروا.
اغتصب الكبيرابتسامة دون ان يضحك و قال :
ـ الذي يطل برأسه هو أخي أيها الجحش .
قال علاوي الحوم :
ـ أنتما ؟؟ّ!! عمى بعيني و عين امي . كدت أموت .
ـ قلقنا عليك لأنك تأخرت كثيراً. هيا .. إخرج للشط لكي تغتسل و تشطف ثوبك و لا تجلس و أنت نجس .
قال علاوي :
ـ أيتها الخالة كلي الطرنج و ادفني قشوره واقرئي الفاتحة على أبي فطيمه . إياك أن تلقي بالقشور على الأرض .
أما أنا فسأغتسل و أعود لأروي لكم حكاية كبيرة شاهدتها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فرخ : مرادفة ريفية تُطلق على الأطفال و الصبيان في الريف بدل مفردة ولد .
(2) سعلاة
(3) لقب بالحوم لأنه تعود أن يسرق فراخ الدجاج من بيوت القرويين والبطيخ و الرقي مما يرزعه افراد القرية . .
(4) مقرود : مصاب جسده بحشرة القراد
(5) السدانة وعاء طيني تحفظ في جوفه بذور الحنطة و الشعير .


Post A Comment: