ما إنْ سلَّم إمام "مسجد الصحابة" من صلاة الظهر، حتى راعه إقبال شابٍّ يُمسك بيد طفلة تائهة لم تبلغ بعدُ العامين، فارقتها حُمرة الخجل لتتملكها صُفرة الخوف والوجل، كانت شاحبة الوجه، باهتة الأسارير، تتمتم بكلمة واحدة "ماما"!
أثَّر منظر الطفلة فيمن بقي من المصلين، إلا أن "مُعز" كان أكثر المتأثرين بالطفلة حيث هُرع إليها، قربها من صدره، وابتسم لها ببراءة ليبثَّ فيها الطمأنينة والأمان.
وأسرع "حسن" فأشار إلى ولده بإحضار عصير وبسكويت تخفيفاً عن الطفلة وإلهاءً لها، لا سيما قد شرعت "التائهة" في بكاءٍ خفيض حين ازداد عدد الناس من حولها!
اقترح أحدهم أن يُنادى بمكبر الصوت لتنبيه مَن بالخارج لوجود طفلة تائهة، بعد سرد وصفها والتعرف بصعوبة من الطفلة على اسمها.
وقبل الشروع في استخدام المكبر للتنبيه، سأل "معز" - وهو من الحريصين على إصابة السُّنن وتوخِّيها - عن حكم نشد الضالَّة في المسجد.. ثم دار هذا الحوار:
معز: إخواننا، في البدء.. هل يجوز نشدان الضالَّة في المسجد؟
محمود: لا يجوز. يقول الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تدعو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [سورة الجن: الآية 18].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد الضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك" رواه الترمذي.
لطفي: ما أعلمه أنه لا يجوز. فعن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا وَجَدْتَ؛ إِنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ). أخرجه مسلم.
علي: على رسلكما.. فالأمر خلافي بين الفقهاء، فمن نظر إلى عموم وظاهر هذه الأحاديث والآثار وغيرها؛ قال بحُرمة أو كَراهة نشد الضوالّ بالمساجد.
أما من تعمَّق في أحاديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتحقيق مناطها، فتراه يجيز نشدان التائهين بالمسجد أطفالاً كانوا، أو شيوخاً، أو من المتأخرين عقلياً.
معز: يا "علي"، هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل وبيان، ودليل وبرهان.
محمود: ألم تسمع يا "علي"، ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار وأن تنشد فيه الضالة" رواه أهل السنن.
لطفي: هذا صحيح.. فعن ابن سيرين قال: سمع ابن مسعود رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فأمسكه وانتهره وقال: "قد نُهينا عن هذا" أخرجه عبدالرزاق. وقال ابن العربي: ولا ينشد في المساجد الضالة إجماعاً.
علي: اسمعوني بارك الله فيكم.. الإعلان عن طفل ضائع في المسجد ليس من نشد الضالة، وليس به بأس، ولا تتناوله الأحاديث الناهية عن ذلك؛ لأن الضالّة كما يقول الإمام ابن عرفة: نَعَمٌ وُجِدَ بغير حِرز محترم، فيدخل فيه الإبل، والبقر، والغنم، ولا يُطلق على الضائع من الإنسان ضالّة!
معز: زدنا أكثر يا "علي"، متعنا الله بك!
محمود: لست مقتنعاً بكلامك يا "علي"، فلا يجوز تعريف اللقطة ولا الضالّة في المساجد فإنها لم تبنَ لهذا.
وقد روى مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا).
علي: ذكرتُ في البدء أن الأمر فيه خلاف بين العلماء، أما الطفل التائه فإنه يجوز النداءُ عليه في المسجد؛ لأنه ليس في معنى الضالّة، وحفظ النفوس من المقاصد العليا للشريعة، بل هو إحدى كليات الشريعة الخمس.
وإنما النهي المفهوم من الأحاديث الشريفة يعالِج ما فيه إعلان عن دنيا وماديات من تجارة، وبيع، وشراء، وضوالّ غير بشرية، أما ما كان من إعلان لخيرٍ أو معروفٍ فلا بأس به.
معز: قلبي يجنح لكلامك يا "علي"، فربما عجَّل الإعلان عن هذه الطفلة إلى ضمها لصدر أمها الولهى، وأبيها الحزين، وذويها المفزَّعين!
محمود: نعم.. لكننا يجب أن نؤخر العاطفة والعقل، ونقدم عليهما الدين والشرع.
لطفي: هذا إن كان هناك خلاف أصلاً يا "محمود" بين الشرع والعقل، والقلب والنقل.
معز: يبدو أن الأمر واسع وخلافي حقاً كما يقول "علي"، فمن هدي النبي حتى في الحروب ومعاملة الأسرى ألا يُفرق بين أمٍّ وطفلها، بل دلت الآثار على عدم ترويع الطيور والتفرقة بين الأمهات وأفراخها.
علي: فتح الله لكم جميعاً.. إذن الحكمة من النهي عن نشد الضالة، والبيع والابتياع داخل المسجد هي تصغير أمر الدنيا، وتحقيرها في النفوس، وذلك ينطبق على الأموال.
أما حفظ الأنفس من التلف فأمره أعظم، وهذا حيث كان الناس في المسجد، أما استخدام مكبرات الصوت في غير أوقات الصلوات فالأمر فيه جائز بالأحرى!
وقد سُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: أُعلن في أحد المساجد أنه يوجد إفطار كل يوم خميس، كما أُعلن عن دورات العلم، وعن حملات الحج والعمرة فما حكم ذلك؟
فأجاب: "هذا الإعلان لا بأس به؛ لأنه إعلان فيه دعوة للخير وليس المقصود به بيع ولا شراء".
أعلن "معز" - مطمئناً - عن الطفلة بمكبر الصوت، وإن هي إلا دقائق حتى طرقت أم الطفلة التائهة باب المسجد، مصوبة نظرها نحو مستوى طول ابنتها، وحين تلاقت الأعين صرخت الأم: "ساندي" ابنتي!! فهرولت الطفلة صوب أمها قائلةً بفرحة غامرة: "ماما"!!
انفعل كل مَن شهد احتضان الأم لابنتها وأيقنوا أن "علي" كان محقاً في لفتهم لإباحة نشدان التائهين من الآدميين بالمسجد؛ لأن نهي الأحاديث الواردة كان موجهاً إلى الماديات لا إلى الإنسانيات، وإلى القوالب لا إلى القلوب.
لكنَّ "محمود" أطرق شارداً، ثم فتح مكتبة المسجد ليفهم معنى {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تدعو مَعَ اللَّهِ أَحَداً}، تلكم الآية الكريمة التي يتلوها منذ عشرين عاماً، بيد أنه لم يفقه مرادها الصحيح ولم يفهم معناها الحق.
أدرك "محمود" بعد القراءة والاطلاع أن من عَرَفَ شيئاً فقد غابت عنه أشياء، وأن وراء حرفية النصوص والمباني أرواحاً ومعاني، وأن المقاصد والكليات مقدمة على الفروع والجزئيات، وصدق الله العظيم القائل: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}!! [يوسف: 76]!!



Post A Comment: