تنمو ٱلْأشياء في تلك ٱلْبقعة على جِبِلتِها لا تحتاج لرعاية كبيرة ولا لمساحيق ..
قرب ٱلنَّهر الْهادئِ أزهار بريةٌ وبعض ٱلنّباتات ٱلشّائكة وأحجار تنْهضُ كَمُجَسّماتٍ منْحُوتَة بإتقانٍ تعانق ٱلنَّهْر كحَارسةٍ أمينةٍ..تتوجه ٱلْفتايات كل صباح صوب ٱلنّهْر راكضات تحْملن فوقَ أكتَافهِنَّ ٱلصّغيرة صُحُوناً نحاسيةً وفضيةً وأخرى من الألمنيوم تتَدلّى منها خُيوطُ ٱلصّوفِ وبعض ٱلْملاَبس ٱلتي تحتاجُ إلى تنْظيفٍ وتَلْمِيعٍ.

تَضَعْنْ ما على أكتافهن ورُؤوسهنّ وتبدأن في ممارسة رياضتهن ٱلْمُفَضّلة؛ تَسْبَحنَ في ماءِ ٱلنّهرِ كفراشاتٍ مُضيئَةٍ ..تُحْدِثْنَ أصواتاً كما ٱلشّراغيفِ ٱلصًّغيرةٍ ٱلتي تنتشرُ على طُولِ ٱلنّهرِ ٱلسّاكنِ ٱلْوديعِ ..وبُعيْدَ ٱلْإنتهاءٍ منْ طَقْسهِن ٱلْيَوْمِي يُبَاشِرْنَ ٱلْعملَ على ٱلصُّوفِ؛ إذ ينْزعنَ ماعلقَ به من شوائبَ وأشْواك ويبدأنَ في غسله بِكُلِّ مهارةٍ وتصفيفهِ بشَكلٍ جَميلٍ بديعٍ ليُهَيِّئْنهُ للعَملٍ وٱلصّباغَةِ بعد أن يجِفَّ تماماً..

كما خلية نحْلٍ يَشْتغِلْنَ ويَنْسُجْنَ خُيوطَ ٱلْجَمالِ وعند ٱلْانتهاء من ٱلْعَملِ يتركن ٱلصّوف يجف في صفائحَ نُحاسية وُضعتْ فوق مُجسّماتٍ ٱلْأحجارِ ..في حين ينْشغِلْنَ مُجدداً بٱلسِّباحةِ وٱلرّكْضِ على جنباتِ ٱلنّهرِ الذي لا يقتربُ منهُ ٱلرّجال لأنه ملاذ   للنِّساءِ وٱلْفتياتِ فقطْ وقد ٱرتبط اسْمهُ بِهِنَّ ..فهو ٱلنّهر الْمعروف بنهرِ "ٱلْحُوريات"..
شيءٌ ما يتحركُ ..يطفو ويخْتفِي ..تتوقفُ ٱلْفتيات عن ٱلسّباحةِ وتقتربنَ شيئا فشيئاً من مكانِ ٱلْجسْمِ الْغريبِ الذي طفا أخيراً على سطح ٱلْماءِ ..تَصْرخُ إحداهُنَّ مُحَذٍّرةً من ٱلْاقتراب منه: (( ترَيّثْنَ لا تقتربنَ .. لاَ تقترِبنَ..قد يكونُ وحش ٱلنّهر ٱلّذي حَدثتني عنهُ الْجَدة " علياء" ..إنه خطرٌ علينا جميعاً ..)). 
بيْدَ أن ٱلتَّحذير لا يصلُ إلى أسْماعِهنَّ فتحاولُ إحداهُنّ ٱلْاقتراب أكثر فأكثرَ ..ويتعالى صُراخ التّحذِيرِ دُونما جدوى ..
" ضفيرةُ ٱلثّلجِ" تقتربُ من ٱلْجسْمِ الْغريبِ الذي طفا من سطْحِ ٱلْماء ..تُحاولُ بكلِّ قوتها رفعهُ بين يديها ٱلصّغيرتينِ ..لكنّها تفقدُ توازُنَها وتحِسُّ بأنّ ذاك ٱلْجسم يسحبها بقوةٍ ..تبدأ بٱلْمقاومة وٱلتّجذيف بيديها ٱلصّغيرتين.. لكنّ ٱلْجِسم ٱلْغريب تنمو له أيدي ويلتصقُ بضَفِيرتها..تبدأ في ٱلصُّراخِ وطلب ٱلنّجْدة ..ٱلصَّديقات يقتربنَ منها فيُصابْنَ بٱلذّهول..إنّهُ جسمٌ غريب لكنهُ يشبهُ إلى حدٍّ كرة ثلجٍ لولبية نمت لها أيدي صُوفِية..
تحاول إحْدَاهنّ لمسهُ بحذرٍ وٱلْاقتراب منه، لكن " ضفيرة ٱلثّلج" تطلبُ منها ٱلْابتعاد ..وتُطَمئِنُها بقولها : " لاشيء خطير..
أتُصدقنَ تلْكَ ٱلْخرافات ٱلْبَائدة ..ٱلْوُحوشُ لا تنمو في ٱلْماء ..علَيْكُنّ بٱلتّعقلِ صديقاتي..لما تصدقْن  هاته ٱلْأساطير وٱلْخرافات ..أينَ أنتُنَّ من ٱلْحِكْمةِ وٱلرّزانة ..إنّهُ نهر ٱلْحوريات ٱلنّائمات هَا هُنَا مُنْذُ أمَدٍ بعيدٍ ..هذا ٱلنّهر مِلْكٌ لهنّ ..لا وحشَ هُنا يا ناسِجَات الْجَمال..!!.
ٱقْترِبْنَ أكثر صديقاتي..بدوري أُصِيبتْ بالْهلعِ لما ٱقتربتُ منه وخلتهُ في ٱلْبدء وتحت تأثير مُخذِّرِ ٱلْوَهْم  يجْدبُني نحو ٱلْأعماق ..لم يكنْ ذاك ٱلْجسمُ ٱلْغريبُ إلاّ صوت ٱلْوهم ٱلذي زُرِعَ فينا وٱسْتوطنَنا ..فلما أحسستُ بٱلْخطرِ بدأتُ بمقاومَتِهِ ومحاولة ٱلتّمَلُّصِ من خيوطهِ الْلولبية  الْعنكبوتية.
لا تجزعن ٱقتربن نحنُ بأمان ..نحنُ بأمانٍ.



Share To: