ٱلْمدينةُ تسبحُ في ٱلْعتمة ومحمود ٱلْمسكين يلفُّه جنح ٱلدُّجَى ..مايزالُ يطوي ٱلْخطو نحو مأواهُ في ٱلْحَيِّ ٱلْهامِشي في ضواحي ٱلْمدينة ٱلْبالوعة ..حيث تنهضُ دور ٱلصّفيح وٱلْأكواخ ٱلصّارخة يُتما وبؤسا ..لا تبصرُ هناك سوى تضاريس ٱلشّقاء وعناوين ٱلتَّهميشِ ..وٱلْأصوات ٱلتي تتشابهُ ..أصوات أناسٍ سحقهم ٱلْفقر وٱلٓحرمان فٱنزووا في أكواخهم ٱلتّعيسَة ينتظرون أفقا غائماً ..منقذاً ..مَنْفَذا للفرار من جحيم ٱلْيومي ٱلْقاسي..وجهوهم شاخت من ٱلْانتظار..ينتظرون وعودا من مارقين مَرُّوا من هُناك ..توسَّلُوا أصْواتا ..مصالح ..ورحلوا ولم يَعُودُوا ..فقط وُريقاتٍ مايزال ٱلْبَعض يحتفظ بها تشهد على مرورهم ٱلْفاضِح..تفضح أوراقهم وبرامجهم وشعاراتهم ٱلرّنانة ٱلزّائفة ٱلْكاذبة ..
محمود مايزال يتعثر في جلبابهِ ٱلصّوفِي ٱلطّويل ٱلذي لكثرة تِجواله في دروب ومسالك وأزقة ٱلْمدينة طَوال ٱليوم بات ثقيلا ثقل خطواته ..يبحث هو دونما جدوى عن متلاشياتٍ ليبيعها كما دأْبه في نهايةِ كل أسبوعٍ ليحصّل دريهمات يسدُّ بها رمقَ ٱلْأفواهِ ٱلْجائعة ٱلتي تنتظرهُ كلّ مساء ..
ٱستوقفته حاوية ٱلْأزبال بٱلْقرب من شارع ٱلْ...لم يتردد في غطس رأسه فيها وبدأ بعملية ٱلتنقيب ..لم تخنقه عطورهم ٱلْفارهة قد تعود أنفه عليها ..أنفه لم يعد يميزُ ٱلروائح ..محمود قصة ٱلْحزانى ٱلذين تكالبت عليهم سطور ٱلشقاء فٱنقرضت عندهم حاسة ٱلشم ..لعنات ٱلْمدينة تحاصرهم ..تلفحُ صدورهم سياط ٱلْبؤس ..
يواصل محمود عملية ٱلتنقيب لا يكل ..نسي قلبه في زاوية ما حينما أمطرته رعود ٱلسماء وابلا من جحيم ٱللّعنات وٱكتوى بنيران أرض لم يحفل يوماً بحنوها ..ويعود محمود يجر أذيال ٱلْخيبة ..!!.
توقظه ٱلصّافرة بعدما ٱستغرقه حلم مؤقت جعلهُ يعيش للحيظات ..
يخاطب نفسه : " آه محمود إنّك أتعس مخلوق على هاته ٱلْأرض ..أما تدري أنّ ٱلْأحلام بدورها لم تعد مجانية..مذ زمن فرضوا عليها رُسُومات ..إكسير ٱلْأحلام لم يعد موجودا ..إنها ٱلصّافرة ..أنصِتْ جيدا ..عليك بمغادرة عناوين ٱلْأحلام ..ٱلْكوخُ ٱلْبئيسُ بٱنتظاركَ ..لا تحلم كثيرا ..رائحة ٱلرطوبة بٱنتظارك .. ٱلْخبز ٱلبائت بٱنتظارك أيضا ..
إنها ٱلصّافرة لقد حان وقت عودتك ..!!.



Share To: