يضع رأسه على الوسادة كل ليلة، يرمي عليها همومه وأتعابه، تمتص الوسادة مابه من آلام ولا تخذله،
غير أن نفسه اللوامة كانت تقض عليه مضجعه، تعد عليه حتى لحظات الهمس والسكون، تذكره بكل شئ فعله منذ الصباح وحتى اللحظة التي يلقي فيها بجسده فوق السرير، يتألم ويضيق صدره، فكم من يمين كاذبة أقسمها اليوم لترويج بضاعته بالثمن الذي يريد، لايعرف على وجه التحديد كم عددها مائه أو أقل أو أكثر، يقسم بأغلظ الأيمان أن يتوقف عن تلك العادة المقيتة، وأن يُلجم لسانه عن الحلف مرة أخرى، لكنه دائما مايحنث،
_بِكَم هذا الثوب؟
تسأله زبونة، فيجب: بمائتي جنيها
_لا.. هذا سعر مبالغ فيه جداً... سأبتاعه بمائة
يعض على نواجذه.. يفور الدم في يافوخه،
_أتتهميني بالسرقة؟!
_لا.. أبداً، قل كلمتك؟
_والله هذا الثوب ثمنة علىّ مائتي جنيها، لكنها بيعة إستفتاح والسلام،
يدور الجدل بينهما لدقائق، ويكرر من قسمه مرات عديده، في نهاية المطاف تبتاعه ب مائة وثمانين جنيهاً،
تعلو وجه فرحة.. تبدو أثارها في بريق عينيه، ويعمه شعور بالإنتصار، فقد ربح خمسين جنيها من قطعة واحدة،
لاتلومه نفسه على شئ طالما كان موجودا بالمحل، فقط تلومه عندما يضع رأسه على الوسادة ،وكأنها لا تسكن جسده.. بل تسكن الوسادة،
يستغفر كثيرا فجسده النحيل لايقو على الصوم ثلاثة أيام كفارة كل يمين كاذبه، لكنه يعلم أن الإستغفار يلزمه توبة من الذنب، وعَزْمّ على عدم العودة له مرة أخرى،
يجلس مع إمام مسجد الحسين عقب صلاة الجمعة، ويقص عليه ضعفه وأيمانه الكاذبة، فيذَكره بحديث رسول الله صل الله عليه وسلم ( إِنَّ التُجَّارَ يُبعَثُونَ يَومَ القِيَامَةِ فُجَّارًا ، إِلَّا مَن اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ )
و ترويج السلع بالغش والتدليس والأيمان الكاذبة يعتبر من الفجور، ويؤدي بصاحبها إلى النار، وأشار عليه بالرضى بالقليل من الربح ليبارك الله فيه، ووضع لافتة مدون عليها السعر ثابت.. وممنوع الفصال،
وضع أكثر من لافتة في المحل بألوان زاهية وخط بارز، في اليوم الأول لم يبع شيئاً وكذلك في الثاني والثالث، نظر إلى اللوحة المتدلية من السقف في منتصف المحل وهي تتأرجح في سلسلة ذهبية،
أنت السبب..!! قالها لنفسه في غيظ، وهم برفعها إلا أن شيئاً داخله قال له: أصبر،
في نهاية الأسبوع لم يبع غير ثلاث قطع!!
لقى إمام المسجد مرة ثانية، تعلو وجهه سحابة من حزن، قابلها الإمام بابتسامة عريضة، وقد فطن لما يعتمل بداخله وقال: إصبر، وإستطرد: إن الله يختبر صدق نواياك،
بعد شهرين زاد ربحه عن ذي قبل، واستقبلته وسادته بالرضا، ووهبته نَفسهُ نوما هَنيئاً.


Post A Comment: