. رائد الحواري
عندما يكتب شاعر نصا قبل عشرين عاما، ونجد فيه الاختزال والتكثيف، الصور الجميلة، الفكرة النبيلة، الطرح الساخر، الطبيعة والمرأة، وتقديم كل هذا بلغة أدبية، بالتأكيد نكون أمام شاعر متميز، متألق، مبدع.
"مازن دويكات" من الشعراء المظلومين، الذين لم يأخذوا حقهم في الوطن، فبعد أن كان عضو هيئة ادارية للأمانة العامية لاتحاد الكاتب الفلسطينيين، وعضو الهية الادارية في مركز أوغاريت الثقافي، ورئيس ملتقى بلاطة الثقافي، ورغم ما قدمه من أعمال أدبية إن كانت مسرحيات، أم قصص قصيرة، أم دواوين شعرية، أم كتابة نقدية، أم مقالات، نجد أنفسنا قد عزلناه من الساحة الثقافية بصورة عامة وفي نابلس بصورة خاصة، علما بأنه كان أحد النشطاء ثقافيا على صعيد الوطن والمدينة.
لكن يبدو أنه وضعنا الثقافي لا يقل فسادا عن بقية المجالات الآخر، وكأن الساحة الثقافية تعمل على تحجيم/عزل المبدعين والنشطاء، لتتفرغ الساحة لمن هم دون المستوى المطلوب، من هنا نجد العديد ممن كان لهم دور ثقافي فاعل، في الزمن/الوقت الذي كانت فيه الغالبية نائمة، ولا تلقي بالا للعمل الثقافي نجدها الآن أخذت مراكز حساسة في الساحة الثقافية وتتقاضى وراتب "من الآخر" هذا ما وجدناه بعد أن اصبحت المراكز الثقافية تعمل على مبدأ "العمل المأجور" بمعنى إن كان هناك من يدفع يكون هناك تسويق لعمل ثقافي، وإذا لم يكن هناك دفع، فلا تسويق ولا ثقافة، من هنا وجدنا العديد من المراكز النشيطة "بلاطة، العتيق" كأمثلة مات أو تم اغلاقها من قبل السلطة لأسباب الله اعلم بها.
أنا من الذي لم يوفوا العهد لهذا الشاعر، فقد كتبت شيئاًبسيطاًعن ديوانه "وسائد حجرية"، علما بأن هذا الديوان فيه مادة تعليمية ومعرفية تم صياغتها بلغة شعرية يعجز عن تقديمها العديد منا.
حضور الريف والطبيعة
————
ديوان "المسرات" تم انتاجه في الفترة الذهبية لملتقى بلاطة الثقافي، وهو يعد احدى الانجازات للشاعر والملتقي معا، سنحاول الدخول إلى هذه العمل الأدبي من الطبيعة الريفية التي تطفي على الديوان لمسة ناعمة، وتسكن الغضب الكامن في نفس الراوي، وكأنه بها ومن خلالها يجد الإرادة التي تمنحه القوة والمقدرة على الاستمرار في هكذا واقع.
يقول في قصيدة "العائد":
"فكأن شيئا ما تغير
فالزهور ندية في الآنية
فكنها قد نسقت من ثانية
والياسمينة لم تزل
تتسلق الغرفة
وأريجها القدسي في الردهات والشرفة" ص8،
كلنا يعلم أن التوجه نحو الطبيعية يريح الراوي والمتلقي معا، فهي أحد العناصر المهدئة/المسكنة، لما تمنحه من جمال خلاب يفرح القارئ ويسعد بما في النص من تصوير لهذه الطبيعة.
الريف الفلسطيني يبقى عالقا في الذاكرة رغم مرور السنين، ورغم السكن في منازل حديثة وعصرية، فالريف له علاقة بحالة البكر التي يعيشها الإنسان، له ارتباط طفولي بالذاكرة، من هنا من المستحيل ازالته، فهو حاضر في العقل الواعي والعقل الباطن، في قصيدة "الرعيان" نجد الريف
حاضرا بهذا الوصف:
"في الصباحات الممطرة
تبكي المزاريبُ
في طاسات القرويات
ويلوذ الطيرُ
بأخشاب الشبابيك الصامتة
وفي حمّى الزخِّ والبردِ
يتكاسل الرعيانُ
يلعنون البردَ والديمايةِ الباهتة
في الصباحات الممطرة
لايكفُّ جرسُ المرياعِ عن الرنينْ
والعجّالُ عن الخوارِ
والشلايا عن الثغاءِ
وعلى هذا الإيقاع الرعوي
يحمل الرعاةُالزواويدَ والأراغيلَ
ويغطسون في ضباب الشعابْ" ص104،
ما يلفت النظر في هذه القصيدة تعمد الشاعر استخدام الألفاظ العامية، كتأكيد على فلسطينية هذا الريف، فنجد لفظ "المزاريب، طاسات، الزخ، الديماية، العجّال،الزواويد" فهذه الألفاظ تشير إلى ارتباط ذاكرة الشاعر بالماضي الذي عاشه، أيام كانت القرى الفلسطينية تفتقر لأدنى متطلبات الحياة العصرية، لكنها كانت جميلة وتمنح الشاعر شعوراً وإحساساً بالأمان والبساطة، والحياة الهانئة.
وعندما يحدثنا عن سلوك الرعيان الذين ينفرون من المطر وما يسببه لهم من ضيق، إن كان متعلقا بما يرتدونه من ملابس التي أصبحت بحاجة إلى التغيير، أو بسبب ضجر القطيع الذي أخذ يثغو كتعبير عن حاجته للانتقال إلى مكان أمن بعيدا عن المطر، فمثل هذه القصيدة الريفية تمثل الحالة المختزنة في ذاكرة الشاعر، فهو يعشق هذا الريف وما فيه، عندما حدثنا عن المطر وسلوك الرعيان.
ونجده أيضا حاضرا في العقل الباطن للشاعر عندما استخدم الألفاظ العامية في نصه، وكأنه تحرر من سطوة اللغة الفصحى، ولهذا اتجه إلى ما في ألا شعور وقدمه لنا.
حضور المرأة
—————
العنصر الثاني المهدئ هو المرأة، فنجدها حاضرة في العديد من القصائد، لكنها أقل تواجدا من الطبيعة، يعمل الشاعر على دمج/توحد/ المرأة والطبيعة معا، فهو لا يستطيع التخلص من بريق وجمال الطبيعة التي ولد وعاش فيها، ولا يستطيع أن يهمل المرأة التي تزيدها جمالا وتألقا، من هنا وجدناه يجمع بينهما في قصيدة "الراعي" التي يقول فيها:
شجرةُ الغابات امرأةٌ
تتربعُ في عينيهِ
والأرغولُ الجبليُّ
امرأةٌ تتوجعُ بين أصابعَ كفيهِ
والنجمُ امرأةٌ
تتطلعُ من شباك الليلِ عليهِ
الشجرُ/الأرغولُ/النجمُ
نساءٌ في الفجرِ تجيءُ إليهِ
والراعي المنسيُّ كما الأحراشِ
مشتعلاً بالخُضرةِ واللأزوردْ
كان يراها في عبق الوردْ
يتحسسها في ريش الطيرِ
وبيض الأعشاشِ
في العوسج والزعترِ والنّتاشِ
ويراها في الأسحار حمامة
أو جسداً يمشي
بين شجيرات الحُرشِ:
هذي الشتلةًُ خصرْ
هذي السنبلةُ البريّةُ قامة
هذا العنّابُ شفاه الثغرْ
هذا البرعمُ حلمةُ نهدْ
والراعي المنسيُّ بسفحِ الليلِ
كان بلا ماعز تثغو وخرافْ
يحدو في دمهِ صاهلةُ الخيلِ
وحفيف الصفصافْ
كان يقولْ
في قصب الأرغولْ:
خلصتْ كلُّ صبايا البلدة
وأنا دون فراش ٍ
دون لحافٍ
دون مخدّة" ص5 و6
يوحد الشاعرُ في هذه القصيدة بين الطبيعة والمرأة فنجدهما متوحدتين في المرأة والشجر، الأرغول المرأة، والنجم والمرأة، فهي والطبيعة صنوان، يدخل الراوي شخصية الراعي لكي يحرر نصه من التدخل المباشرة، فهو مجرد راوي ليس أكثر، من هنا يحدثنا عن الراعي الذي يرى المرأة في "عبق الوردة" ويتحسسها في "ريش الطير"، هذا التجسيد، تخيل المرأة فيما يراه/يشاهده الراعي، تنامى، فأخذت تظهر له بتفاصيلها المثيرة، و كأن جسدها الفتان حاضرا أمامه، "الشتلة خصر/..." أعتقد أن هذه التفاصيل للمرأة الحاضرة في الطبيعة يشير إلى العلاقة التي تربط الشاعر بما يحمله من عاطفة اتجاه الجمال، إن كان طبيعيا أم إنسانيا، فهو متعلق ومرتبط عضوياً بهذا الجمال .
ولهذا وجدناه يعلن افتقاده للمرأة من خلال المقاطع الأخيرة التي تحدث فيها عن الفراش واللحاف والمخدة، وكأنه يقول بأن هذه الطبيعة الجميلة بكل ما فيها لا تغني عن تلك المرأة، فأنا احتاجها كحاجتي لهذه الطبيعة.
لكن الشاعر في حالة الشدّة والألم يميل ميلا عظيما إليها، فهي من سيخلصه من ألم ووجع وحدته.
بقول في "رباعيات" مقطع "19" :
"مرة يا حبيبتي بعد مرة
نزفتني جراحي المستمرة
أنا يا نجمتي برحلة تيهي، قمر ضاع في طريق المجرة
ومداري إلى مدارك مشدود، كشد الجنين في حبل سرة" ص90،
تعمد الشاعر استخدم الأفعال التي تشير إلى الشدة والربط في وصف علاقته بالمرأة، لفظ "مشدود، شد، حبل" كلها تنسجم مع فكرة الترابط التي تجمعهما، وهذا الانتقاء في استخدام الأفعال والألفاظ يؤكد تمكن الشاعر من سيطرته على نصه الشعري، من هنا وجدنا الانسجام بين اللفظ والفكرة.
شعر الحكمة
—————
من سمات "مازن دويكات" أنّه يقدم لنا شعرا يحمل خلاصة تجربته، يحدثنا بلغة شعرية عما استنتجه من الواقع الحياة، فهو مهتم بالمتلقي وبتقديم فائدة معرفة له، كما هو مهتم بإمتاعه، من هنا نجده يقدم متعه بلغة سلسة تحمل فكرة تصل إلى مستوى حكمة، فيقول في قصيدة
"الكذبة" :
"من زمن
انطفأت في جسدي الرغبة
عد لطبيعتك الأولى
ما عادت تغريني
بسمتك العذبة
فأنا مذ كنت برحم الزيتونة
نطفة زيت
قد كشفت روحي اللعبة
لن اقصف غصنا من زيتوني
فهديل حمامك
أرأف منه عواء الذئبة
كيف أمد يدي
لأسلم كيف؟
وفي يدك الممدودة حربة
عد لطبيعتك الأولى
فأنا أدرك
أن أمان الثعلب للحمل الطيب
أكبر كذبة" ص53و54،
لغة سهلة، بسيطة لكن تم صياغتها بشكل أدبي ممتع وراقي، ونجد الرمز واضح تماما فيها، من خلال "قصف غصن الزيتونة، ومد اليد والحربة"، فالقصيدة سياسية بامتياز، لكن بما أن المتلقي يغلب عليه الابتعاد عن الطرح/الحديث السياسي، قدم لنا الراوي فكرته عن السياسة بهذا الشكل الممتع .
وعندما استحضر الثعلب والحمل في نهاية القصيدة أراد أن يربط فكرته حول ما يجري بما جاء في الذاكرة من قصص كليلة ودمنة، وكأنه يذكر المتلقي بضرورة التقدم من تلك القصص لما فيها من حكمة، وفي ذات الوقت ليربط حكمة قصيدته بما جاء في تلك القصص.
ويقول في مقطع "حكمة":
"أنبأنا التين وأعلمنا الزيتونْ
أن الجذرَ بأعماق التربةِ يمتدُّ
وإلى الأعلى تنداحُ غصونْ
فتعلمنا الحكمة: في الأعماق "جذور"
وإلى الأعلى كأغصان نكون" ص69،
إذا ما تأملنا هذا النص، سنجد بأن هناك ربط/تناص بين ما جاء في سورة "التين والزيتون" وبما ما يريده الشاعر، فهي يقربنا من فلسطين بهذا الترميز، بهذه الاشارة غير المباشرة، فيدعونا إلى التمعن في الطبيعة، وعلى ضرورة التفكير والتأمل فيها، لأنها تحمل فكرة تسهم في خلاصنا من الاحتلال، تسهم في تخلصنا من التمسك بالشكل فقط، وتدعم فكرة التوغل في الأسس، في الأصول، لأنها هي من يغذينا ويرفع من مكانتنا، إن كنا أفراد أم جماعات.
الاختزال والتكثيف
———————
ما يحسب لهذا الديوان وجود تكثيف غير عادي فيه، فنجد ما يقارب الخمسين مقطع يجمع بين حالة التكثيف والاختزال فالشاعر يعي متطلبات العصر وضرورة الاختزال وعدم الإطالة غير المبرر لها، ولهذا نجد العديد الكبير من المقاطع الشعرية القصيرة والمكثفة.
يقدمنا الشاعر من فكرة ضرورة الاصرار على الثبات والصمود، وفكرة بعث الأمل، وعلى ضرورة العمل والفعل، من المقاطع التي تدعو للإصرار على الصمود والثبات مقطع" وجود":
"في كل زمان أولدْ
في كل مكان أوجدْ
فلتشهدْ يا وطني فلتشهدْ" ص70،
كلام مختزل بسيط وسهل، لكنه يدخل القلب والعقل معا، ويحمل فكرة إنسانية نبيلة،
من مقاطع التي تدعو للأمل وعدم فقدان البوصلة مقطع "بيدر":
"ضربات أخرى في المعولْ
ينبجس الماء من الينبوعْ
ويعود لسيرته الأولى المنجلْ
ويغادر بيدرنا الجوعْ" ص72،
لم يقتصر جمال هذا المقطع على سلاسة اللغة وحسب، بل على حضور الألفاظ الريفية، "البيدر، المنجل، الينبوع، المعول" فهي تدعو للعمل في الأرض الفلسطينية وعلى ضرورة التقدم منها، كما أن الرمز حاضر في هذا المقطع، مما أعطاه جمالية تضاف إلى ما فيه.
السخرية
————
الأدب الساخر لا يستطيع أيا كان أن يكتب فيه، لما له من خصائص تجعل كتابته صعبة، لكن "مازن دويكان" أصبح مختص في هذا النوع من الأدب، يقدم لنا في هذه الديوان العديد من المقاطع الساخرة، منها مقطع "آية" :
" وبعد التعوذ والبسمة
صرخت بهم:
(وأعدوا لهم ما استطعتم)
فأعدوا لهم قوافل بالمشتهيات
محملة مثقلة
وأعدوا لي المقصلة
هكذا فهموا الآية المنزلة" ص75
، نقد الاتجاه الديني وطريقة تفكيره وتعاطيه مع الواقع لا زالت من المهام الملحة أمام كل المثقفين في منطقتنا، فهم أحد الأسباب التي ساهمت فيما آلت إليه أوضاعنا، الشاعر سبقنا بهذا الأمر ووجه نقداً لاذعاً لرجال الدين وللفكر الديني السياسي الذي "يحرف الكلام عن مواضعه " ويحرف الجمهور عن قضاياه الأساسية، مستخدما النصوص الدينية لتحقيق هذا الامر.
السخرية من الاحتلال وما يقوم به من اغلاقات مستمرة على الفلسطينيين، قدمه لنا الشاعر بمقطع "منطقة مغلقة":
صرختُ أحبُّكِ فاتهموني
بزعزعة الأمنِ في المنطقة
فجاءوا وفي أدبٍ أفهموني
بأن فمي الآن، منطقة مغلقة" ص79،
كثرة الاستخدام لهذا المصطلح "مناطق مغلقة" والتي بموجبها يمنع الدخول أو الخروج، أصبحت تشكل حالة ضغط على الفلسطيني، من هنا وجدنا الشاعر، يعرّي المحتل بهذا الطرح الساخر.
الحديث عن السياسي والسياسة غالبا ما يكون ممل، وثقيل على النفس، لكن الشاعراستطاع أن يحدثنا عن سياسة والسياسيين بشكل ممتع، وهنا تكون ذروة الابداع، يقول في "قمة سداسية":
"وعلى قدر رؤوس النجمة جاءوا
قالوا: إن مهمتهم حساسة
الأول: كان يوسوس أن الطهرَ نجاسة
والثاني: حالف إذ قال بأن العهرَ قداسة
والثالث: كان بخلخل لحيته
بدخان الموقد تحت الطاسة
والرابع: كان يشمر عن يده الحواسة
والخامس: كان يوزع لحم الأطفالِ
بأطباق الساسة
والسادس: كان يفتش عن خازوق
فبكى إذ لم يجد مقاسه" ص80،
هكذا يقدم لنا الشاعر موضوع متعب وغير مرغوب فيه، بشكل جميل وممتع وشيق، وهذا الشكل من التقديم يطغى على العديد مما يكتبه "مازن دويكات".
التقديم السهل والجميل
———
أيضا ما يميز هذا الديوان استخدام لغة سهلة وألفاظ عادية، لكن عندما نأخذها مجتمعة نكون أمام نص مذهل، نص لا يمكن صياغته إلا من مبدع، متقن لعمله الأدبي. من اشكال هذا التقديم مقطع "صرخة":
"من ألف عام لا أزال أصيح
ليس لصرختي وقع
وليس لها صدى
سوى صوت فيروز يجلجل في
المدى:
(لا تندهي... لا تندهي
.. ما في حدا" ص78،
كما يقال: (كلام عادي) لكن بهذه الصياغة يكمن إبداع الشاعر، وكأنه من خامات غير نافعة ومهملة، يقدم لنا شيء نافع ومفيد وجميل وانيق، وهنا يكمن ابداعه.
——•————
الديوان من منشورات ملتقى بلاطة الثقافي، الطبعة الأولى 1996.





Post A Comment: