المشكلة!!!
في بداية العصر الحديث كان الإنسان يخرج من الاكتشافات العلمية إلى اكتشافات أخرى. وكان الهدف في البداية هو المزيد من الاكتشاف ولكن مع مرور الوقت امتلك الإنسان مفاتيح علمية تؤهله بشكل كبير على التحكم في الكرة الأرضية، وبدأت تتغير الوجهة وظهرت المطامع الإنسانية متجلية في بسط هذه الدول التي امتلكت العلم الحديث في نفوذها على العالم ليس فقط بهدف الاستعمار من أجل البقاء أو من أجل الثروات ولكنه إيمانًا بما اكتشفوه وآمنوا به. فنجد أن نابليون بونابرت في حروبه كانت له معتقدات في هذا العالم أن البشرية تحتاج إلى من يقودها إلى الصواب وظهر هذا حتى في الحملة الفرنسية على مصر حيث إن جيوش نابليون لم تكن تحمل فقط البنادق والمدافع بل كان مع الجيش العسكري جيش آخر من العلماء في كل المجالات ليكتشفوا طباع أولئك البشر وعادتهم ومعتقداتهم. كان يؤمن أن كل البشر على خطأ وأنه فقط على صواب وأن لديه الرغبة في نقل العالم إلى الخير. ولكن حيث إن المفاهيم الخاطئة هي التي كان تحركه وتشكل دافعا أساسيًا بالنسبة له تحول الهدف النبيل إلى حروب وقتل البشر وانهمك في حروب مع دول أوروبية مجاورة وتاهت الجيوش الفرنسية في مختلف بلدان العالم ولم تقدر على مواصلة الطريق. وفي ذلك الحين كان المجتمع في أوربا في بداية نشأته وكان على قوة تمكنه من أن يبدأ الطريق لبناء حضارته الجديدة بما أصبح يؤمن به في ذاته من علم واكتشاف يزداد يوما بعد يوم، ووجد نفسه يحتاج إلى مقوم أخلاقي يبنى عليه هذه الحضارة دون أن يتحكم في القرارات الأساسية للاتجاه الذي تسعى له الدولة فعاد إلى الكنيسة وقصى مهمتها في المجتمع على أن تتولى مسئولية نشر الفكر الديني داخل المجتمع بما لا يتعارض مع الأفكار العلمية التي يؤمنون بها. وكانت هذه هي أول زلة في الطريق الحضاري لأنهم اختاروا ما يشاءون بناء على رغباتهم الشخصية لا بناء على دليل حقيقي لذلك الأساس الفكري الذي يريدون أن يبنوا عليه مجتمعهم، واعتمدوا في هذا على مجموعة من الفلاسفة بنظريات جديدة مبنية على أسس علمية مادية لكي يقبلها العقل الذي أصبح لا يؤمن بأي شيء ليس له دليل مادي. وجعل الكنيسة تقوم بدور روحاني يتمثل في طقوس وعبادات فقط دون أن يتطرق إلى تغير في جوهر بناء المجتمع. وهنا اوجد المجتمع الأوروبي في حضارته الجديدة خليطًا جديدًا يناسب تلك الحضارة ويجعل لها هوية فكرية مبنية على أساس علمي قوى يكون هو المحرك الأساسي لها إلى جانب معتقد ديني يخاطب الروح داخل هذه النفس البشرية .
واتجهت أوربا بعد هذا إلى بسط نفوذها على العالم الذي لم يكن آنذاك به قوة تستطيع أن تقف في وجهها بعد أن انتهت أهم حضارة كانت قبلها في ذلك الوقت وهى الحضارة الإسلامية. ولم تجد أدنى مقاومة في بسط نفوذها على جميع المستعمرات التي احتلتها. وكانت ترى أن هؤلاء الناس جميعا مجرد جماعة من الغوغاء لا يعرفون شيئًا وليست لديهم هوية فكرية وأن مرجعيتهم التاريخية مبنية على خرافات وأساطير بائدة وأنهم – أي الأوروبيون – وحدهم هم الذين يملكون الحقيقة والعلم ومفاتيح القيم الأخلاقية الحضارية الحديثة .
ووجه الأوروبيون نظرهم إلى بقية العالم واستحلوا لأنفسهم السيطرة على كل هذه الثروات الموجودة على الأرض بحجة أن من يعيشون في تلك البلاد غير مؤهلين للاستفادة من تلك الثروات لأنهم لا يملكون القدرة على ذلك ومع مرور الوقت بدأ هؤلاء القوم اللذين تم استعمارهم في مواجهة هذا الاستعمار ورفض بسط النفوذ والسيطرة من الآخرين عليهم وبينوا أنهم شعوب لها أصل وأعراق وحضارات كبيرة.وظهر ما يسمى بالثورات في العصر الحديث وهنا بدأ الصراع الإنساني بين البشر الذين يعيشون في هذه المجتمعات وبين العالم الغربي الذي يمتلك العلم والثقافة والحداثة .
في هذه النقطة بالتحديد تكمن المشكلة وهى أن العالم أصبح منقسمًا إلى عدة فئات، كل فئة منها مؤمنة بما لديها من معتقدات ولا تريد أن تصغي إلى ما يقوله الآخرون من آراء وكل جهة تتبنى فكرة تعتقد أنها هي الفكرة المثلى ولا تريد أن تستمع إلى الأفكار الأخرى أو تناقشها لتعرف ما الجيد فيها وما ينقصها وما قد يحتاج إلى التعديل.
ولكى نشرح المشكلة بشكل أوضح علينا أن نبين أسباب نشأة هذه القناعات لدى كل فريق ولماذا يتبنى أفكاره بهذا التشدد ولا يريد أن يقبل غيرها .
واعتقد أن النقاط الأساسية في هذا هي كالأتي :
أن ما يؤمن به مجموعة من الأفراد أو المجتمعات أصبح يشكل هوية لا يمكن أن تتغير بدون سبب مقنع وأصبح أسلوب حياة ليس من السهل تغييره .
أن هذه الأفكار ربما تساعد هذا الإنسان في هذه المجتمعات على إرضاء نزواته وشهواته .
أيضا أن هذه الأفكار يقودها أناس يستفيدون من إيمان المجتمع بها كما ذكرنا مثالًا على ذلك الكنيسة في المجتمع الغربي وكيف كانت تتحكم في المجتمع وفى ثرواته وإرادة البشر الذين يعيشون فيه وكانت مصلحتهم تقتضي أن يبقى الوضع على هذا النحو دون تغيير من أجل بقائهم واستمرار مصالحهم .
أن هذه الأفكار والمعتقدات موروثة ولها خصوصية عند من يؤمنون بها ومجرد التشكيك فيها يؤدى إلى صدام مباشر بين الطرفين مما يجعل الفرد الذي يؤمن بها يرفض مناقشة أي فكرة أخرى دون النظر إلى مدى صدقها أو صحته.ا
تشويه أفكار الآخرين وإبراز عيوب قد لا تكون موجودة من الأساس، ليس لهدف محدد وإنما لأن الإنسان قد يرفض عادة ما هو جديد عليه دون أن يبدى أسبابًا واضحة لهذا ويستخدم الإعلام في تنفيذ هذه الفكرة ويلعب الدور الأساسي فيها .
قد تكون هذه بعض الأفكار التي يمكن أن نستند إليها في تفسير أسباب الصدام الذي قد يحدث بين المجتمعات والأفكار بعضها ببعض .
وأنا الآن أريد أن أناقش هذا على أرض الواقع فيما يحدث بين البشر بعضهم البعض في هذا العصر وأسباب الحروب التي نشبت في العصر الحديث على الأقل .
كان الأوروبيون منذ القرن الثاني عشر قد تبنوا علوم الكون التي تأسست على الفيزياء الأرسطية والتي روج لهابطليموس (90-168) عالم الفلك المصري الذي رأى أن الأرض ثابتة في مركز الكون يغلفها مثل البصلة ثمانية أغلفة كروية تتكون من مادة غير مرئية تسمى الأثير. واعتقد أن تلك الكرات (الكواكب) تدور بأسلوب موحد حول الأرض وكان داخل كل غلاف كروي أثيري أحد الأجرام السماوية السبعة : القمر، عطارد، الزهرة، الشمس، المريخ، المشترى، وزحل. وكانت النجوم الثابتة تحتل الكرة (الكوكب) الثامنة لدى الحافة البعيدة للكون وتمنح الاستقرار للكل ثم بعد الكوكب الثامن يوجد عالم السماء الأزلي .كان النظام البطلمي قد قدم أكثر الأوصاف دقة للمعطيات التي تراكمت في العالم القديم الذي كانت تقنيات فيه الملاحظة محدودة وغير مناسبة .
لكن على الرغم من أن نظام بطليموس كان مبهجا على المستوى الروحي فإنه كان مليئا بالمثالب والهفوات العلمية ونظرا لأنه كان يرمز للدائرة على أنها رمز الكمال فقد افترض بداهة أن الكواكب كانت تبدو وكأنها تتحرك في مدارات دائرية كاملة، لكن بعض الملاحظين قد تبينوا أن بعض الكواكب كانت تبدو أنها تتحرك بأسلوب غير منتظم وكانت تبدو أكثر بريقا أحيانا ثم يشجب بريقها في أحيان أخرى .
حاول بطليموس تفسير عدم الانتظام هذا من خلال آلية رياضية رأت أن الكواكب تتحرك في دوائر صغيرة تدور حول محيط دائرة اكبر حول الأرض وتدور حول نقطة مركزية تشكل ذاتها مسارا دائريا كاملا حول الأرض مما يؤدي إلى أن تبدو الكواكب وكأنها تتحرك بغير انتظام لكن لو أمكن ملاحظتها من نقطة بعيدة عن المركز سنراها تتحرك بأسلوب منتظم تماما .
قلب كوبرنيكوس النظام البطلمي بأكمله رأسا على عقب. و على الرغم من أن أطروحته أدت إلى حدوث ثورة فكرية بيد أنه شخصيا أبقى على موطئ قدم له في العالم الأسطوري القديم حيث وجد أنه من المستحيل التخلي عن فكرة الكواكب السماوية أو عن رمزية مدارات الكواكب الدائرية .
لقيت نظرية كوبرنيكوس نقدًا قاسيًا لأنه لم يكن باستطاعته إثباتها حيث كانت تناقض الأسس المبدئية للفيزياء الأرسطية. وعلى الرغم من أن الرياضيات نجحت تماما في إثباتها لكن – وفقا للترتيب الأكاديمي التقليدي – كان من المفترض أن تذعن الرياضيات للفيزياء بصفتها العلم الأسمى ولم يكن من المستغرب أن رأي غالبية الناس أن فكرة عالم كوني مركزه الشمس هي فرة لا يمكن تصديقها، فقد كان تناقض التفسير العلمي المعياري وأيضا الحكمة الفطرية الأساسية. وكان كوبرنيكوس يطلب من زملائه تصديق أن الأرض التي تبدو ثابتة هي في واقع الأمر تتحرك بسرعة مهولة .
حاول بعض العلماء أن يطوروا نظرية كوبرنيكوس، فقام تايكو براهي (1546-1601) الفلكي والرياضي والمنجم الإمبراطوري الدنماركي في مرصده بجزيرة هفين بالمضيق السويدي بتصويب بعض الأخطاء اللافتة في جدول الحسابات الفلكية واكتشف نجمًا جديدًا في مجرة ذات الكرسي لكنه رفض نظرية كوبرنيكوس واقترح نوعا من التعديل الوسطى في نظام بطليموس .أما الفلكي الإنجليزي جيلبرت (1540-163) فاعتقد أنه قد تكون للأرض خاصية جذب مغنطيسي باطنية تتسبب في دورانها اليومي حول محورها. وفي إيطاليا ترك الراهب الدومينيكاني جيوردانو برونو (1548-1600) الرهبنة عام 1576 وشن هجومًا عنيفًا على أوجه قصور الفيزياء الأرسطية. كانت الديانة السرية التنسكية المصرية القديمة قد أسرت برونو وكان مقتنعًا أن التدريبات الروحية الباطنية بإمكانها أن تتيح للفيلسوف بأسلوب مباشر الحياة المقدسة التي تكمن مختفية وراء حجاب الواقع الفيزيقي وزعم أن هذا هو المعنى الحقيقي لنظرية مركزية الشمس والذي لم يستوعبه كوبرنيكوس تماما حيث كان مجرد موظف رياضيات يستغل عمله .
ولكن كان أكثر هؤلاء العلماء ذكاء حينها العالم الألماني جوهانس كبلر (1571-1630) الذي كان قد تبادل الرسائل مع براهي وساعده في عمله وخلفه في منصب المنجم الإمبراطوري. كان كبلر مثل كوبرنيكوس مقتنعا بأن الرياضيات هي مفتاح فهم النظام الكوني وأن مهمة العالم هي اختبار نظرياته الرياضية على أساس الملاحظة الإمبريقية الصارمة ونشر في عام 1609 كتابه عن الفلك وكان أول محاولة علنية لتبرير نظرية كوبرنيكوس عن مركزية الشمس إلا أن زاد من تعقيدها دونما داعٍ لذلك بإبقائه على فكرة المدارات الدائرية للكواكب. ولكن بقى سؤال بديهي يعارض تلك النظرية وهو ما الذي كان يمنع الأشياء الأرضية من الطيران مبتعدة عن الأرض فيما كان الكوكب يدور بتلك السرعة الفائقة في الفضاء ؟
وبعد محاولات مضنية ليثبت أن الكواكب تتحرك في دوائر كاملة اقتنع كبلر في النهاية بملاحظات براهي الدقيقة للتخلي عن الفرضية وأسس حساباته على الهندسة الإقليدية وقام بصياغة أول قوانين الطبيعة نصوصا يمكن إثباتها عن ظواهر محددة ويمكن تطبيقها شموليا .
أولا: تتحرك الكواكب في مدارات إهليجية ناقصة المقطع لا دائرية بسرعة تختلف تناسبيا مع المسافة التي تفصل بينها وبين الشمس .
ثانيا: بينما يكون الكوكب في فلكه يندفع عبر مساحات متساوية في فترات متساوية من الزمن .
ثالثا: نسبة تربيعات المدد تساوي بالضبط نسبة تكعيبات متوسط بعدها عن الشمس .
ومن أجل أن يتوصل لتلك الاستنتاجات التي مثلت علامة فاصلة، اعتمد كبلر ليس على الرياضيات والملاحظة الإمبريقية فحسب بل وأيضًا على التكهنات الروحية التنسكية للعبادات السرية كما فعل برونو. كان هو أيضا مقتنعًا أن كوبرينيكوس لم يدرك التضمينات الكاملة لنظريته أن الهندسة هي لغة الله ومثل كلمته وجدت معه منذ قبل الخليقة وهي متطابقة معه من ثم فدراسة الهندسة هي دراسة لله. ومن خلال دراسة القوانين الرياضية التي هي الجوهر الذي تقوم عليه الظواهر الطبيعية فإننا نتواصل مع العقل المقدس .
بيد أنه في نهاية القرن السادس عشر هيمن نمط الحداثة المتعصبة في إيطاليا موطن النهضة. وكان الإصلاح الديني البروتستانتي صادمًا للكنيسة الكاثوليكية كما كان الإيطاليون قد شهدوا نهب روما من قبل الجنود الألمان المرتزقة عام 1527 وانهيار جمهورية فلورانسا عام 1536 وأخيرا السيطرة الإسبانية على شبه جزيرة إيطاليا وغدت الهيئة الكنسية التراتبية الكاثلوكية عازمة بتعصب على إحكام السيطرة المطلقة على رعاياها الكاثوليك .
ووسط هذا المناخ السياسي الكئيب أعلن عالم الفلك الإيطالي جاليليو جاليلي (1564 -1642) أنه قد برهن على صواب كوبرنيكوس وعلى عكس كيلر وبرونو لم يكن لجاليليو أي اهتمامات روحية وبدلا من أن ينظر للكون على أنه انعكاس مبهر للسر الإلهي فقد وصفه بأنه آلية كونية تخضع للقوانين الرياضية ، وبملاحظة تأرجح البندول المعلق في كاتدرائية بيزا، استنبط قيمةَ البندول من أجل قياس منضبط للوقت .
يتبع


Post A Comment: