وسط هذا المناخ السياسي الكئيب أعلن عالم الفلك الإيطالي جاليليو جاليلي (1564 -1642) أنه قد برهن على صواب كوبرنيكوس وعلى عكس كيلر وبرونو لم يكن لجاليليو أي اهتمامات روحية وبدلا من أن ينظر للكون على أنه انعكاس مبهر للسر الإلهي فقد وصفه بأنه آلية كونية تخضع للقوانين الرياضية ، وبملاحظة تأرجح البندول المعلق في كاتدرائية بيزا، استنبط قيمةَ البندول من أجل قياس منضبط للوقت .

وكان قد اخترع ميزانا هيدروستاتيا وكتب رسالة عن الجاذبية المحددة. وأثبت رياضيًا أن الأجسام التي تسقط مهما كان حجمها فهي تهبط إلى الأرض بنفس السرعة. وكان أحد أهم إنجازاته وأشهرها هو التلسكوب العاكس الذي أمكنه من خلاله ملاحظة حفر على سطح القمر عام 1609 والبقع الشمسية وأطوار المريخ وأقمار المشترى الأربعة.

أصبح جاليليو حالة شهيرة وقضية خاصة تثير اهتمام العامة وترمز إلى ما يعتقد أنه صراع أبدي ومتأصل بين الدين والعلم لكن لم يكن جاليليو في واقع الأمر ضحية للدين بذاته بل للكنيسة الكاثوليكية بعد مؤتمر ترنت في وقت كانت تشعر فيه الكنيسة أنها مهددة.

كان جاليليو يمثل الدقة والتوجه العلمي والروح الحديثة المتوهجة روح العصر، وأصر على أنه من المستحيل فهم كلمة واحدة من كتاب الطبيعة دونما معرفة لغة الرياضيات وعلى العالم أولا أن يقوم بعزل الظاهرة التي يلاحظها مثل سقوط الأجسام أو تأرجح البندول وبعد ذلك يقوم بترجمة المسألة إلى نظريات بديهيات وفرضيات رياضية ثم يقوم باختبار استنتاجاته الرياضية كي يضمن أنها تتوافق بدقة مع الظاهرة الفيزيقية التي أثارت الدراسة والبحث .

ولكن بالطبع كان من المستحيل إثبات الحقائق الدينية بهذا الأسلوب وتمسك جاليليو إلى يوم وفاته بالعلاقة التقليدية بين الأسطورية والعقلانية وأصر على أن نظرياته لا تناقض الدين بأي أسلوب وليس ثمة ما تقوله الميكانيكا عن اللاهوت فهما مبحثان مختلفان بشكل كلي عن بعضهما البعض وكل منهما له مجال اختصاصه، فيما رأى علماء حداثيون مبكرون ضرورة استدعاء الله وقدرته كتفسير لنظرياتهم .

ويبدو أن جاليليو لم يكن قد أدرك أن المناخ السياسي قد تغير ولم يعد الفاتيكان يعتبر اللاهوت علما ظنيًا بل مضى منهجيًا يقلص تعاليم أرسطو وتوماس الإكويني على مجموعة صارمة من القوانين صيغت بأسلوب ينهي كل نقاش ويصل باليقين إلى أقصى حد ، وفي عام 1605 أصبح الكاردينال الجزويتي روبرت بلارمين (1542-1621) الذي كان يجسد التوجه الجديد لاهوتيًا بابويًا. كانت مهمة اللاهوت كما رآها بلارمين هي ترتيب المباديء والتعاليم على شكل أنظمة محكمة يمكن بها مواجهة أعداء الكنيسة .

لم يكن جاليليو الصوت الوحيد الذي يدعم آراء كوبرنيكوس فقد ينتمي إلى عائلة تدعم الآراء الكوبرنيكية لكنهم كانوا ينصحونه دوما ألا يتورط في منازعات مع سلطات الفاتيكان ورغم أنه كان مقتنعا بأن العلم واللاهوت مبحثان منفصلان إلا إنه ظل عازما على التوفيق بين اكتشافاته ونصوص الكتاب المقدس.

وبحلول عام 1600 كانت إنجلترا في طريقها إلى حرب أهلية وكانت الإمارات الألمانية تناضل للحصول على الاستقلال من الإمبراطورية الرومانية لتقيم دولا قومية ودعمت السويد الأمراء البروتستانت ودعمت أسرة الهابسبورج النمساوية الكاثوليك وفي عام 1618 تصاعد الصراع لتأتي حرب الثلاثين عاما والتي قتل فيها 35% من السكان وتحولت أوربا الوسطى إلى مستودع للجثث .

أثرت الحرب في نفوس الأوربيين حيث تركت الكثير من الموتى وكان لابد للإنسان أن يجد تفسيرًا لهذه الحرب التي ألمت بهم وتركت هذا العدد الهائل من القتلى. فنشأت فلسفة جديدة داخل النفس البشرية هي الطريق الى إيجاد تفسير لسبب هذه الحرب التي قامت في العصور الوسطى والتي كان سببها الاختلاف في تفسير اللاهوت والرؤى المتحاربة لكل فريق، فبدلا من أن يتحققوا من صحة المنهج والطريق بدأ الأوروبيون في خلق فلسفة جديدة تستوعب هذا التناقض بين مسعى الدين المتسامح وسبب هذه الحرب التي أبادت ما يقرب من نصف السكان في أوربا في العصور الوسطى وكان أبرز هؤلاء الفلاسفة هو ديكارت .

كان ديكارت قد تلقى تعليمه في كلية الجزويت والتي كان هنري الرابع قد أنشاها وهناك بدأ في ممارسة القراءة وشعر بالإثارة العارمة حينما قرأ عن جاليليو للمرة الأولى، وكان فكر مونتينيه التشككي قد ملك عليه لبه رغم أنه بمرور الوقت أصبح على قناعة أن تلك الرسالة لم تكن الرسالة المناسبة إلى عالم مزقته الدوغما المتحاربة والتي بدت وكأنها لا يمكنها العثور على حقيقة تجمع الناس حولها .

كانت أهوال زمن ديكارت قد تركت علامته على فلسفته فقد كان حاضرًا أثناء مراسم حفظ قلب هنري الرابع شهيد التسامح بغطاء مقدس في كاتدرائية لافليش وظل مقتنعا طوال حياته أن باستطاعة كل من الكاثوليك والبروتستانت أن يأملوا في دخول الجنة وكانت غايته هي الوصول إلى حقيقة يمكن للجميع من الكاثوليك والبروتستانت والمسلمين واليهود والملحدين أن يتوافقوا عليها بحيث يستطيع كل الناس أن يعيشوا في سلام وأمان .

تشكلت أفكار ديكارت أثناء حرب الثلاثين عاما، فقد التحق بعد تركه لمدرسة الجزويت بالجيش وسافر إلى أنحاء أوربا بصفته جنديًا ، والتقى ببعض أهم علماء الرياضيات وفلاسفة العصر وقال أنه تعلم في الجيش أكثر مما تعلمه في الدراسة والمدرسة .

وفي النهاية وجد ديكارت ما كان يبحث عنه .و انتهى إلى القول التالي:لاحظت أنني فيما كنت أرغب بأن كل الأشياء زائفة كانت الضرورة المطلقة تقتضى (أن تكون “أنا” موجودة ).

(لاحظت أن الحقيقة : أنا أفكر، إذا أنا موجود) كانت يقينية مؤكدة بدرجة أن أغلبية الافتراضات المبالغ فيها التي يطرحها المتشككون لم يكن بإمكانها زعزعتها ووصلت على الاستنتاج أن بإمكاني تقبل صوابها دونما تردد بصفتها أول مبدأ للفلسفة التي أسعى إليها .

كان وجود الله ضروريا جدا لفلسفة ديكارت ونظرياته العلمية لأنه لم يكن ليثق في حقيقة وجود العالم الخارجي بدون الله ولأننا ليس بإمكاننا الثقة في حواسنا فإن وجود الأشياء المادية مشكوك فيه وغير يقيني لكن الكائن الكامل هو الحقيقة ذاتها ولم يكن ليسمح أن نظل مخطئين حول مثل هذا الأمر الجوهري .

وبمجرد ما تأكد ديكارت من وجود العالم المادي غدا بوسعه المضي إلى الجزء الثاني من مشروعه وهو إيجاد نهج علمي أوحد بإمكانه أن يأتي بالعالم الذي يدور خارج نطاق التحكم ويأتي به تحت سلطة العقل .

لكن عالم الرياضيات الفرنسي بليز باسكال (1623-1662) – والذي كان متدينا ورعًا- عاد إلى الفكرة الأقدم القائلة بأن الوجود الإلهي مختبئ في الطبيعة وأنه لا جدوى من محاولة العثور عليه هناك ورأى أن الكون الآلي بلا رب هو كون مخيف فارغ المعنى .

قام باسكال بتطوير قواه العقلية ونماها أكثر من غالبية الناس في عصره حيث استنبط حلول الفرضيات الثلاثة وعشرين الأولى من نظريات إقليدس وهو في عمر الحادية عشرة. ثم نشر وهو في السادسة عشرة بحثًا لافتًا عن الهندسة ثم اخترع الآلة الحاسبة وبارومتر وآلة طباعة هيدروليكية. لكنه رغم كل هذا كان يؤمن أن العقل وحده لا يستطيع أن يأتي بالقناعة الدينية وأن القلب وحده لديه أسباب الإيمان .

كان بإمكان باسكال أن يرى أن المسيحية كانت في سبيلها لارتكاب أخطاء جسيمة وذلك لأن رجال اللاهوت كانوا متحمسين لاعتناق الفكر الجديد الحديث وجعل تعاليمهم تتطابق مع الأفكار الواضحة والمميزة والتي أصبحت ظاهرة في ذلك الوقت لأنها كانت عصرية تواكب العصر الذي كانوا يعيشون فيه ، لكن إلى أي حد يمكن السماح للعلم الجديد أن ينتهك مجال الدين ؟ .

رأى باسكال أن الإله الذي لا يتعدى أن يكون مؤلفًا لحقائق رياضية وصانعًا لنظام كوني وعوامل طبيعية ليس بإمكانه أن يأتي بالنور إلى الظلمة والتي قصد بها ظلمة الوجود البشري وآلامه حيث إن ذلك لن يتسبب إلا في إلحاد الناس .

كان باسكال أول من رأى أن الإلحاد بمعنى الإنكار لوجود الإله سرعان ما سيصبح خيارا جديا فالشخص الذي لم يشارك في الطقوس والممارسات الدينية والتدريبات الروحية لن تقنعه حجج الفلاسفة لأن الإيمان بالنسبة لهذا الشخص بإمكانه أن يكون رهانا فقط .

طور رجل الدين وأستاذ الرياضيات بكامبريدج إيزاك باور (1630-1677) مذهبا أنجليكانيا ليبراليا آملًا في أن يساعد على إقامة مجتمع منظم على غرار النظام الكوني يلتزم فيه كل الناس بالبقاء في أماكنهم وبالعمل معا بتناغم من أجل الخير العام . وكان أحد أعضاء مجموعات المناقشة الذين ثابروا على الحضور هو إسحق نيوتن (1624-1727).

أراد نيوتن مثل ديكارت أن يأتي بعلم شمولي باستطاعته تفسير التجربة الإنسانية جميعها. ورغم أن المسعى الذي سلكه ديكارت كان انفراديًا ومنعزلًا إلا أن نيوتن رأى أهمية التعاون في مجال العلوم وأراد أن يؤسس على إنجازات سابقيه وأسلافه وشعر أنه يقف على أكتاف عمالقة لكن هؤلاء العمالقة تركوا أسئلة دونما إجابة، فما الذي يبقي على الكواكب في مداراتها ؟ ولم تسقط الأشياء على الأرض دائما؟؟ وفي عام 1687 رأى أن العلم الشمولي ليس هو الرياضيات بل الميكانيكا التي تضع الفرضيات الدقيقة وتصل إلى البراهين من خلال القياسات وكان لعلم الميكانيكا الشمولي الذي أتى به أن يبدأ بقياس حركات الكون ثم وعلى أساس هذه الاستنتاجات يمضي في تفسير كل الظواهر الأخرى .

أنجز نيوتن رؤية تركيبية تجميعية رائعة جمعت في نظرية واحدة فيزياء ديكارت وقوانين كبلر لحركة الكواكب وقوانين جاليليو للحركة الأرضية وأثبت أن الجاذبية هي القوة الجوهرية فلكي تبقى الكواكب على مداراتها حول الشمس بسرعاتها ومسافتها النسبية فإنها تنجذب نحو الشمس بقوة جاذبية معينة وينجذب القمر والمحيطات نحو الأرض وفقا لنفس القانون. ولأول مرة تم تجميع الحقائق المنفصلة في النظام الكوني معًا في نظرية شاملة, وأخيرا أصبح النظام الشمسي مفهوما.وأصبح بالإمكان تفسير كل شيء كمدارات الكواكب السنوية ودوران الشمس وحركات القمر وحركات المد والجزر في البحار وحدوث الاعتدالين الربيعي والخريفي .

وبضربة واحدة قلب نيوتن قرونا من الموروث المسيحي رأسا على عقب. فقد كان اللاهوتيون حتى ذلك الحين يرون أن الخليقة لا تستطيع إخبارنا بشيء عن الله بل إنها تثبت أنه لا سبيل إلى معرفة الله .

كانت الطرق الخمسة لتوماس الإكويني قد أوضحت أنه وعلى الرغم من أن بإمكان المرء أن يثبت أن ما يسميه البشر الله قد خلق شيا من العدم فمن المستحيل معرفة ما هو الله لكن لم يخامر نيوتن أى شك في أن الميكانيكا الشمولية بإمكانها تفسير كل خصائص الله .

وكان لابد للدين أن يتغير لكي يتماشى مع تلك التغيرات الجديدة والاكتشافات العلمية من ثم طور فلاسفة التنوير نوعًا جديدًا من التأليه التوحيدي مؤسسا بشكل كلي على علم نيوتن وأسموه التأليه الطبيعي .

وعرف فولتير دين التأليه الطبيعي الجديد في المعجم الفلسفي الذي وضعه واعتقد مثل نيوتن أن الدين الحق ينبغي أن يكون سهلا يمكن تبني حقائقه بجلاء وينبغي أن يكون متسامحا .

كان التنوير ذروة رؤية كان قد استمر الإعداد لها منذ وتنامت تلك الرؤية على أساس علم جاليليو الآلي ومسعى ديكارت وقوانين نيوتين الكونية. وبمطلع القرن الثامن عشر اعتقد الفلاسفة أنهم قد أكتسبوا أسلوبًا موحدا لتقييم الحقيقة بكاملها فالعقل هو السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة وكانوا على قناعة بأنه بالإمكان تفسير الدين والمجتمع والتاريخ وأنشطة العقل الإنساني كلها من خلال العمليات النظامية الطبيعية التي اكتشفها العقل الإنساني .

كان هذا التركيز على البرهان في سبيله إلى تغيير مفهوم العقيدة تدريجيًا. وفيما ازداد زخم التنوير توصل جان جاك روسو (1712-1778) الفيلسوف والمربي وكاتب المقالات الذي ولد في جنيف واستقر في باريس إلى الكثير من الاستنتاجات كتلك التي توصل إليها فيكو ولم يشارك رؤية الفلاسفة المتفائلة عن التحسن واعتقد ان العلم يسبب الانقسامات لأن القليلين هم من يستطيعون المشاركة في الثورة العلمية الحديثة ولهذا أصبح الناس يعيشون في عوالم فكرية مختلفة وأن بإمكان العقلانية العلمية التي تغرس الموضوعية المتجردة أن تحجب الاشمئزاز الطبيعي الناتج عن رؤية أي كائن حساس يهلك أو يعاني واعتقد روسو أن المعرفة قد أصبحت عقلية وبدلا من ذلك ينبغي أن نصغي لصوت القلب .

عرف عن البارون دهولباخ (1723-1789) – وكان يشرف على صالون بشارع رويال – أنه مستولد للإلحاد، هذا على الرغم من أن ثلاثة من أعضائه فقط هم من ينكرون وجود الله. وفي عام 1770 نشر دهولباخ بمساعدة ديدور كتاب نظام الطبيعة الذي جمع فيه مناقشات أعضاء الصالون، وكان دهولباخ معاديا متحمسًا لفكرة الإلوهية وأراد أن يحل العلم محل الدين، ولم يعتقد بوجود العلة الأولى ولا بوجود حقيقة عليا أو خطة عظمى أو قدر، وأن الطبيعة قد ولدت نفسها وحافظت على نفسها بالحركة، واضطلعت بكل المهام التي نُسبت إلى الله .

واعتقد دهولباخ أن الدين قد ولد من الضعف والخوف والخزعبلات وأن الناس قد خلقوا الآلهة لملء الفراغات في معارفهم من ثم فالعقيدة الدينية كانت فعل جبن فكري ويأس منتشر بين الناس. ففي البداية جسد الرجال والنساء قوى الطبيعة وشخصنوها وخلقوا آلهة في صورهم وفي النهاية دمجوا كل تلك الالهة في إله واحد عظيم لم يكن سوى إسقاط لمخاوفهم ورغباتهم .

“يتبع”



Share To: