السؤال الذي أطرحه على كل عاقل هو: عندما نزل سيدنا ادم هل كان ذا نوع أومن فئة أو من قومية أو اتحاد أو …..إلخ؟؟؟ لم يكن إلا مسلما.
وكما ذكرت في البداية فإن الهدف من الحياة هو عبادة الخالق. ولكن عموم الكلام لا يوضحه، لذا ينبغي علينا التوضيح ليقودنا إلى مفهوم علمي يتوافق مع أفكار العصر ومع ما يستطيع الآخرون فهمه واستيعابه.
بعض الناس في المجتمع الإسلامي يعتقدون أن العبادة هي الفرائض والعقائد التي يقومون بتأديتها خلال حياتهم اليومية ولكن هذا ليس صحيحا .
إن أركان الإسلام الخمسة من صلاة وصوم و زكاة وحج بعد شهادة أن لا اله إلا الله هي أساس العبادات في الإسلام وهى الركائز التي يبنى عليها الإسلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن مع تقدم الزمن أصبح المسلمون يمارسون هذه العبادات كأنها عادات يقومون بها بشكل روتيني دون الدخول إلى عمق هذه العبادات . ولنبدأ في سرد هذه الأركان.
الركن الأول: الشهادة:
الشهادة هي شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. والشهادة اعتراف وإعلان صريح بانه الإله الواحد الأحد وأنه لا طاعة إلا له سبحانه وتعالى وأن العبودية الحقَة لا تكون إلا له عز وجل، كما أنه اعتراف بأن محمدًا رسول الله هو الذي أتى بالرسالة السماوية إلى البشر ليهديهم من الظلمات إلى النور ويرشدهم طريق النجاة وأن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي يستطيع أن يصل بك إلى الحقيقة الحقة والوجود الإلهي العظيم الذي تسعى البشرية لمعرفته ووجوده. كما أن الشهادة اعتراف بأن هذا الدين هو دين الحق والإيمان بالجنة والنار والقدر والملائكة والنبيين والرسل والبعث بعد الممات والحساب وكل الغيبيات بهذا أنت تكون قد أسلمت روحك وجسدك لله وعقدت عقدا بينك وبين الله على الا تشرك به شيئا وتشهد بأن محمد رسول الله وبهذا أنت ألزمت نفسك وأسلمت وجهك لله .
الركن الثاني: الصلاة :
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وعندما ننظر فيها نجد أن المسلمين يؤدونها خمس مرات في اليوم والليلة دون أن يخرجوا منها بما هو مطلوب، فالصلاة هي علاقة بين العبد وربه، وهي لقاء بين العبد وربه، وبالصلاة يتحقق المسلم في نفسه أن ما يؤمن به في الذات الإلهية العليا موجود حقيقة في حياته اليومية بشكل يتقبله العقل، فيتجلى الوجود الإلهي في ذاته وفى نفسه ويستشعر وجود المولى عز وجل في نفسه حقيقة لا قولا فعلا وعملا بدليل مقابلته له خمس مرات يوميا والتحدث معه والمناجاة باسمه والدعاء والطلب من المولى عز وجل والابتهال والتكوكل والتوجه اليه والتبتل باسمه سبحانه وتعالى .
كما الصلاة تحقق مفهوم خشية العبد لربه عز وجل، لأنه يراه خمس مرات في اليوم فيعبد الله كأنه يراه ويثبت لديه مفهوم التقوى، فليس من الممكن أم يصلي ويستشعر وجود الله وخشيته ثم يذهب ليرتكب المعاصي والذنوب الدنيوية.
إذًا فالهدف من الصلاة في مجملها هو تقوى الله عز وجل.
الركن الثالث: الزكاة :
يرشدنا مفهوم الزكاة إلى الصلة المشتركة بين الفكر الرأسمالي والفكر الاشتراكي. حيث يقوم الفكر الرأس مالي على فرض الضرائب لتحصيل الأموال المستحقة على كل فرد يعمل ويتربح ويستفيد من المزايا والخدمات التي تقدمها له الدولة.
ويستند الفكر الاشتراكي إلى أن كل الأفراد يتعانون فيما بينهم وأن كافة الأموال هي ملك مشاع وليست قصرًا على أحد.
ولكن الفارق بين الزكاة في الإسلام ومفهوم الضرائب في الرأس مالية ومفهوم المشاركة فى الاشتراكية هو ما يلي:
تقوم الزكاة على مبدأ أن على كل فرد واجبًا أمام ربه في دفع نصيب مستحق وفرض عليه، لا أن يكون منة أو فضلًا من أحد على الآخرين، وإنما هو نصيب معلوم على كل فرد تجب عليه الزكاة فيدفعها لبيت المال لكي يستطيع المجتمع أن يقتسم الرزق بين بعضه البعض. ولنوضح هذا بشكل أكبر فإن المجتمع الإسلامي يسير من خلال هذه الرؤية تحت فكرة عبادة الله وأن كل فرد يقوم بالعمل الذي خلق من أجله متوكلًا على الله، وأن الرزق هو بيد الله وحده.
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
إن الدستور لا يبدأ بالفرض والتكليف؛ إنما يبدأ بالحض والتأليف، فيثير المشاعر والانفعالات في الكيان الإنساني بأكمله. فنرى في هذه الآية الكريمة صورة من صور الحياة وهي الزرع الذي يعطي أضعاف ما يبدأ به. فتعرض الآية الكريمة هذه الصورة مثلا للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله. إن المعنى الذهني الذي يتبادر إلى ذهن الإنسان لوهلة الأولى هو المعنى الحسابي متمثلًا في التضاعف من حبة واحدة إلى سبعمائة حبة. أما المشهد الفعلي فهو الصورة الجمالية التي تثير العاطفة وتؤثر فب الضمير الحي، وهو مشهد التنامي والطبيعة الحية التي تميل إلى العطاء دونما مقابل. وزادت الآية في هذا التأثير بأن الله يضاعف لمن يشاء أي دون حساب من رزقه ومن عطائه الذي لا حدود له. ; ومن رحمته التي لا يعرف أحد مداها والله واسع عليم واسع لا يضيق عطاؤه ولا يكف ولا ينضب عليم يعلم بالنوايا ويثبت عليها ولا تخفى عليه خافية
والمقصود في هذه الآية الكريمة هو الإنفاق الذي يرفع المشاعر الإنسانية والذي يكون لوجه الله تعالى خالصًا دون أن تشوبه شائبة، هو الإنفاق الذي لا يؤذي رامة ولا يخدش شعورًا بل يكون ابتغاء مرضاة الله وحده.
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
حدد الله عز وجل الإنفاق في هذه الآية الكريمة بشرط ألا يتبعه المن أو الأذى، فالمسلم لا يمن بما أعطى في سبيل الله رغبة في الاستعلاء أو لفت أنظار الناس. ولذلك حدده الله شرطًا للصدقة والإنفاق في سبيله، فإذا ما دخل فيها المن ملأ ذلك قلب المعطي بالنفاق والرياء وملأ قلب الآخذ بالحقد والكره والشعور بالانكسار. ولم يكن ذلك من الإسلام في شيء، بل إن المقصود هو تهذيب النفس وتطهيرها وتعزيز روابط الصلة بين الغني والفقير وتذكيرًا بنعمة الله عز وجل، وتعزيزًا للترابط والتكافل بين أبناء الأمة بعضهم البعض.
وبعض الباحثين النفسيين في هذه الأيام يقرون أن رد الفعل الطبيعي في النفس البشرية للإحسان هو العداء في يوم من الأيام وهم يعللون هذا بأن الآخذ يحس بالنقص والضعف أمام المعطي ; ويظل هذا الشعور يحز في نفسه ; فيحاول الاستعلاء عليه بالتجهم لصاحب الفضل عليه واضمار العداوة له ; لأنه يشعر دائما بضعفه ونقصه تجاهه ; ولأن المعطي يريد منه دائما أن يشعر بأنه صاحب الفضل عليه وهو الشعور الذي يزيد من ألم صاحبه حتى يتحول إلى عداء. وقد يكون هذ كله صحيحا في المجتمعات الجاهلية وهي المجتمعات التي لا تسودها روح الإسلام ولا يحكمها الإسلام، أما هذا الدين فقد عالج المشكلة على نحو آخر بأن يقرر في النفوس أن المال مال الله ; وأن الرزق الذي في أيدي الواجدين هو رزق الله وهي الحقيقة التي لا يجادل فيها إلا جاهل بأسباب الرزق البعيدة والقريبة وكلها منحة من الله لا يقدر الإنسان منها على شيء فإذا أعطى الواجد من ماله شيئا فإنما من مال الله أعطى ; وإذا أسلف حسنة فإنما هي قرض لله يضاعفه له أضعافا كثيرة وليس المحروم الآخذ إلا أداة وسببا لينال المعطي الواهب أضعاف ما أعطى من مال الله. ثم شرع هذه الآداب التي نحن الآن بصددها توكيدا لهذا المعنى في النفوس حتى لا يستعلي معط ولا يتخاذل آخذ فكلاهما آكل من رزق الله وللمعطين أجرهم من الله إذا هم أعطوا من مال الله في سبيل الله ; متأدبين بالأدب الذي رسمه لهم متقيدين بالعهد الذي عاهدهم عليه ولا خوف عليهم من فقر ولا من حقد ولا من غبن ولا هم يحزنون
على ما أنفقوا في الدنيا ولا على مصيرهم في الآخرة، وتوكيدا للمعنى الذي سلف من حكمة الإنفاق والبذل لأن الغرض هو تهذيب النفوس وترضية القلوب وربط الواهب والأخذ برباط الحب في الله. يقول في الآية التالية ( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) فيقرر أن الصدقة التي يتبعها الأذى لا ضرورة لها وأولى منها كلمة طيبة وشعور سمح، كلمة طيبة تضمد جراح القلوب وتعمها بالرضى والبشاشة ومغفرة تغسل أحقاد النفوس ويحل محلها الإخاء والصداقة فالقول المعروف والمغفرة في هذه الحالة يؤديان الوظيفة الأولى للصدقة من تهذيب النفوس وتأليف القلوب ولأن الصدقة ليست تفضلا من المانح على الآخذ إنما هي قرض لله عقب على هذا بقوله والله غني حليم غني عن الصدقة المؤذية حليم يعطي عباده الرزق فلا يشكرون فلا يعجل لهم بالعقاب ولا يبادرهم بالإيذاء ; وهو معطيهم كل شيء ومعطيهم وجودهم ذاته قبل أن يعطيهم أي شيء . فليتعلم عباده من حلمه سبحانه فلا يعجلوا بالأذى والغضب على من يعطونهم جزءا مما أعطاه الله لهم حين لا يروقهم منهم أمر أولا ينالهم منهم شكر. وما يزال هذا القرآن يذكر الناس بصفة الله سبحانه ليتأدبوا منها بما يطيقون ; وما يزال أدب المسلم تطلعا لصفة ربه وارتقاء في مصاعدها حتى ينال منها ما هو مقسوم له مما تطيقه طبيعته.
تكملة الجزء. ١٧
وبعد استعراض هذه الصورة الجميلة يقول عز وجل في كتابه العزيز
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
نحن في الآية الأولى أمام قلب صلد كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فهو لا يستشعر نداوة الإيمان وبشاشته ولكنه يغطي هذه الصلادة بغشاء من الرياء، هذا القلب الصلد المغشي بالرياء يمثله صفوان عليه تراب حجر لا خصب فيه ولا ليونة يغطيه تراب خفيف يحجب صلادته عن العين كما أن الرياء يحجب صلادة القلب الخالي من الإيمان، فأصابه وابل فتركه صلدا وذهب المطر الغزير بالتراب القليل فانكشف الحجر بجدبه وقساوته ولم ينبت زرعه ولم يثمر ثمرة كذلك القلب الذي أنفق ماله رئاء الناس فلم يثمر خيرا ولم يعقب مثوبة. أما في الآية الثانية فنحن أمام صورة مقابلة لقلب عامر بالإيمان ندي ببشاشته ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله وينفقه عن ثقة ثابتة في الخير نابعة من الإيمان عميقة الجذور في الضمير وإذا كان القلب الصلد وعليه ستار من الرياء يمثله صفوان صلد عليه غشاء من التراب فالقلب المؤمن تمثله جنة خصبة عميقة التربة في مقابل حفنة التراب على الصفوان جنة تقوم على ربوة في مقابل الحجر الذي تقوم عليه حفنة التراب ليكون المنظر متناسق الأشكال فإذا جاء الوابل لم يذهب بالتربة الخصبة هنا كما ذهب بغشاء التراب هناك بل أحياها وأخصبها ونماها فأصابها وابل فآتت أكلها ضعفين أحياها كما تحيي الصدقة قلب المؤمن فيزكو ويزداد صلة بالله ويزكو ماله كذلك ويضاعف له الله ما يشاء وكما تزكو حياة الجماعة المسلمة بالإنفاق وتصلح وتنمو فإن لم يصبها وابل غزير فطل من الرذاذ يكفي في التربة الخصبة ويكفي منه القليل. فالمشهد الثاني هو تمثيل لنهاية المن والأذى وكيف يمحق آثار الصدقة محقا في وقت لا يملك صاحبها قوة ولا عونا ولا يستطيع لذلك المحق ردا، كما أنه تمثيل لهذه النهاية البائسة في صورة موحية كل ما فيها عاصف بعد أمن ورخاء: ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)
هذه الصدقة في أصلها وفي آثارها تمثل في عالم المحسوسات
جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات، إنها ظليلة وارفة مخصبة مثمرة وكذلك الصدقة في طبيعتها وفي آثارها كذلك هي في حياة المعطي وفي حياة الآخذ وفي حياة الجماعة الإنسانية ذات روح وظل وذات خير وبركة وذات غذاء وري وذات زكاة ونماء، فمن ذا الذي يود أن تكون له هذه الجنة أو هذه الحسنة ثم يرسل عليها المن والأذى يمحقها محقا كما يمحق الجنة الإعصار فيه نار في أشد ساعاته عجزا عن إنقاذها وحاجة إلى ظلها ونعمائها ومن ذا الذي يفكر في ذلك المصير ثم لا يتقيه كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون. وهكذا يقوم المشهد الحي الشاخص بما فيه أول الأمر من رضى ومتعة ; وما فيه من نضارة وروح وجمال ثم بما يعصف به عصفا من إعصار فيه نار ويعطينا هذا المشهد صورة لا تدع لنا مجالا للتردد في الاختيار قبل أن تذهب فرصة الاختيار.
الركن الرابع: صيام رمضان
في هذا الشهر الكريم يتشبه المسلم بالملائكة لا يأكل ولا يشرب ولا يقوم بارتكاب أي معصية أو ذنب وهذا هو المطلوب من كل صائم لا رفث ولا فسوق ولا جدال وعلى المسلم في هذا الشهر أن يكون اقرب إلى الله وأكثر طاعة وصلة به.
وفى كل هذا لا يوجد عليه رقيب إلا نفسه ولا يراه احد إلا الله ولا يعرف أحد شيئًا عن صيامه إلا الله فلهذا يقول المولى عز وجل (الصوم لي وأنا أجزى به) وهنا في الحقيقة الهدف الأساسي من الصيام وهو أن الله يريد من العبد أن يتعلم كيف يراقب نفسه وهو يعلم أن الله يراه ويتحقق مبدأ التقوى في القلب لأنه بهذا لن يعامل إلا الله ولن يرى أن أي شيء يفعله إلا لله وانه لا رقيب على نفسه إلا الله وبهذا فبعد صيام شهر كامل يتدرب الإنسان على طريقة في المعاملة مع الله لأنه إذا كان قد إمتنع عن ما أحله الله له بناء على أمر من الله فانه سيخرج من الشهر دون أن يقوم بما قد نهاه الله عنه ويتعلم كيف يعامل الناس من خلال مفهوم الله الذي تعلمه في هذا الشهر ويصبر حتى يأتي فرج الله ولا يجادل ولا يكذب ويتحلى بأفضل الأخلاق في معاملة . وتعد هذه تربية نفسية للفرد تجعل من كل فرد في المجتمع يمتلك القدرة على السمو بالروح والتحلي بالأخلاق الحميدة وبهذا يخرج إلينا مجتمع كل فرد فيه يعامل الله ويخشى الله ويتقى الله إذا فكيف سيكون لهذا المجتمع أن تتفشى فيه الجرائم ولا السرقة والخداع ولا الغش ولا الخيانة ولا أي من أنواع الرذائل الاجتماعية التي تنتاب الشعوب وتصيبهم بمشاكل العصر الاجتماعية التي أصابتنا الآن كما قد أسلفت ذكرا.
إن العلة الاساسية والدرس الحقيقي الذي يتعلم العبد في هذا الشهر هو كيف يستطيع أن يتحكم في غرائزه وشهواته ورغباته كيف يستطيع أن يتحكم هو في رغباته لا أن تتحكم رغباته فيه فيصبح ضعيفا عبدا لغرباته ونزواته تقوده الى حيث شائت فإذا أمرته شهوته بالزنى زنى وإذا اشتهت الخمر سكر وإذا اشتهت المال قتل من أجل الحصول على المال وهكذا يصبح حيوانا يجري وراء تحقيق ما تنزع إليه نفسه من ملذات وشهوات لا يستطيع أن يكبح جماح نفسه ولكنه في الصيام يتعلم أنه كيف يربي نفسه ويتحكم فيها (ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)
هكذا يعلمنا المولى عز وجل في الصيام كيف نهذب النفس الانسانية ونجعلها طوع امرنا وان نجعلها تطيع أوامر الله الى ما فيه النجاة وأن الدنيا زائلة ومتعها فانية وأن كل متعة في هذه الحياة محكوم عليها بالفناء والزوال والانتهاء لأنها في دنيا زائلة ليس فيها متعة حقيقية وأن الدار الآخرة هي دار القرار والاستقرار دار النعيم دار الحق .
الركن الخامس: الحج:
بداية أريد أن أوضح أن شعار الحج هو إلغاء العنصرية، فلا توجد أي فوارق بين البشر وجميعهم الشر سواسية في نظام الحج لا فرق بين غني أو فقير ولا بين أبيض أو أسود ولا جنسيات ولا فئات ولا فرق ولا طوائف، فالجميع يرتدى زيًا واحدًا وتحللوا من ملابسهم وخرجوا لا يبتغون إلا وجه الله. وهنا يرى الإنسان نفسه وهو في الدنيا أنه عرف خالقه وكأنه رآه حقًا لأنه ذهب إليه في بيته الحرام وتحلل من كل ما يتعلق بدنياه ولا يرى إلا ربه الذي خلقه ليتمم عبادته له ويستغفره ويطوف بالبيت الحرام كما تفعل الملائكة وقد تمكن الإيمان منه وذهب إلى رب السموات والأرض ليتمم فرائض وأركان دينه وهنا تتجمع فرائض الإسلام في إيمان هذا العبد المسلم بوجود ربه الخالق فيذهب إليه ليزوره ويدعوه.
إن الحج في نفسه أهم مؤتمر إسلامي يجتمع فيه المسلمون من شتى بقاع الأرض في يوم واحد ومكان واحد بزى واحد على قلب رجل واحد يدعون الله وحده لا شريك له وهنا يتضح مفهوم التوحيد متجليا بصورة كاملة واضحة، ويريد المولى عز وجل أن يرينا أن هذا هو الإسلام وهكذا يجب أن يكون المسلمون ويجب أن تكون هذه العلاقة بين كافة الناس في الأرض بألا تكون بينهم فوارق ولا يخشون إلا الله ولا يعاملون إلا الله وتكتمل صورة كاملة للإسلام وتتحقق أركان التقوى في قلب المسلم ويتبين و يتيقن من وجود الله .


Post A Comment: