بناء عقد اجتماعي من الفكر الإسلامي
بدأت في كتابة أولى أفكار هذا الكتاب عام 2005 بهدف الوصول إلى سلام وأمان اجتماعي يشمل السلام العام داخل المجتمع ورأيت أن الحل إلى الوصول إلى هذا السلام والأمن الاجتماعي من خلال وضع إطار عام للمجتمع فيما يسمى بالعقد الاجتماعي .
ورأيت أن أفضل الطرق للوصول إلى عقد اجتماعي يحقق هذا الهدف هو من خلال مبادئ وأفكار الشريعة الإسلامية والتي تشترك في بعض أفكارها مع الديانات التوحيدية النصرانية واليهودية لأنها تنبع من سراج واحد وحتى مع بعض ديانات الشرق الأقصى مثل البوذية ومثيلاتها، تشترك في بعض مفاهيم الإنسانية العامة الشاملة فنجد أن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم السلام قال (كلكم من آدم وآدم من تراب)، ولخص الرسول الكريم الدين في جملة من كلمتين (الدين المعاملة) وبهذا نجد أن أفكار بناء المجتمع من خلال وجهة نظر الفكر الإسلامي أفضل بكثير من المذاهب والرؤى الفلسفية الحديثة .
الإنسان في خلال بحثه من أزل الوجود البشري حتى هذا العصر الحديث لم يجد أفضل من الرؤية الإسلامية لبناء المجتمع. فبدونه لم يحقق المجتمع السلم والأمان الاجتماعي بدليل الحروب التي قامت بها الإنسانية وما وصلنا إليه في هذا العصر الحديث من التسارع وأنياب الاقتصاد التي لا ترحم وكل هذه الأزمات والأوبئة والأمراض التي لحقت بالإنسان والتي لحقت بالمجتمع في العصر الحديث. وأبدأ في سرد مفاهيم بناء المجتمع داخل المجتمع الإسلامي ورؤية عقد اجتماعي جديد من خلال وجهة نظر فكرية إسلامية وهذا هو إطار الحديث الأساسي في هذا الكتاب والذي أنشد من خلاله إلى الوصول إلى عقد اجتماعي يناسب كل الأفكار والآراء والنظريات داخل المجتمع، وأن نتعامل مع الدين كفكر جديد يبنى به مجتمع حديث يستطيع الإنسان من خلاله أن يحقق أهدافه في بناء مجتمع سليم به سلام وأمن وتكافل وعدالة اجتماعية وكل هذه المفاهيم التي يريد الجميع الوصول إليها .
الفصل الأول
الأسرة نواة المجتمع
إن الأسرة هي نواة المجتمع وهي اللبنة الأولى التي يبنى عليها أي مجتمع لانها هي المكون الأساسي فيه.
لهذا فإن ما ينطبق من شرائع وقوانين على هذه الأسرة ينطبق بالتالي على المجتمع بشكل عام.وأول أسرة نشأت في البشرية هي أسرة سيدنا آدم عليه السلام. وقد شرح القرآن الكريم في سورة البقرة كيفية نشأة هذه الأسرة التي كونت بعد ذلك العالم بأسره وبجميع أطيافه. ولهذا فإن المولى عز وجل وضع في البداية مقدمة لكل البشرية في الآيات تبين أن كتاب الله سبحانه وتعالى هو الصراط المستقيم وأن كل من سيسير على هذا الصراط المستقيم في نهاية الطريق سيصل إلى النجاة والجنة التي وعدها الله سبحانها وتعالى عباده المتقين ، وفي هذا الكتاب العزيز وضع الله شرائع تبين علاقة هؤلاء الأفراد داخل الأسرة الواحدة وعلاقتهم بالآخرين وكيفية بناء مثل هذه العلاقة. فمثلا في سورة النساء وضع الله سبحانه وتعالى تشريع الميراث في الآيات التي تتحدث عن تشريع الميراث وكيف يتم تقسيمه .
الحديث عن السلطة وكيفية توارثها في الأسرة وتوارثها جيلًا بعد جيل.كانت بيعة العقبة الأولى للرسول عليه الصلاة والسلام قبل الهجرة بيعة للولاية والحكم وكانت هذه هي الطريقة التي أقرها الإسلام للحكم داخل الدولة المسلمة والتي على أساسها بنيت الدولة الإسلامية التي صارت فيما بعد حضارة إسلامية واسعة ممتدة. إلا أن الإنسان ابتكر طرقًا أخرى للسلطة جاءت عن طريق الانتخاب وهو أمر مشابه – في رأيي الشخصي – للشورى بيد أنه يكون عن طريق الصناديق التي يشارك فيها المجتمع بأكمله لاختيار حاكم له تكون السلطة بيده. ولا أرى في هذا النهج اختلافًا عن البيعة في المنهج الإسلامي.
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)
(ال عمران 26)
لم تسلم أول أسرة في البشرية من ارتكاب الأخطاء، فقد وقعت فيها أول جريمة ارتكبت في البشرية. ومن أجل هذا جعل الله الثواب والعقاب أساسًا في التشريع وأساسًا لأي قانون في البشرية.
الفصل الثاني
الحرية والحق
تتجلى الحرية المطلقة في المجتمع الاسلامي ببساطة في كتاب الله العظيم. يقول المولى عز وجل
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
هنا نجد أن الله سبحانه وتعالى أوجد قمة الحرية والعدل في أن جميع الناس سواسية خلقهم الله عز وجل من ذكر وأنثى وجعلهم شعوبًا وقبائل لكي يتعارفوا ولا يوجد أي فرق بينهم إلا بالتقوى ،
والتقوى هي مفهوم واسع كبير يشمل كل تصرفات المرء في جميع أحواله وحالاته
فنجد أن الجميع في الإسلام متساوون في جميع الحقوق والواجبات داخل المجتمع لا فرق بينهم وبهذا الأساس يشيع السلام والتسامح داخل المجتمع الاسلامي .
على أساس هذه الحرية المطلقة من بيده أن يعاقب من يخرج على القانون المطلق هذا في المجتمع ؟
وضع المولى عز وجل في كتابه العظيم أدلة شرعية لكل من يخرج على مبادئ الأخوة والمساواة داخل المجتمع. فمثلا من قتل في المجتمع الإسلامي يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ 178 ﴾ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿ 179 ﴾
(البقرة 178 – 179 )
فهنا بين الله عز وجل لنا المثال ووضع لنا النظام الذي نستطيع من خلاله معالجة هذه الجريمة وتفادي تكرارها بتطبيق القصاص العادل الحق، فالعدل هو أساس الملك، وهو أساس الشريعة الإسلامية كما نرى من كتاب الله تعالى.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿ 27 ﴾ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿ 28 ﴾ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴿ 29 ﴾ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿ 30 ﴾ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴿ 31 ﴾ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴿ 32 ﴾
(المائدة 27 – 32)
بيد أن الله سبحانه وتعالى أمرنا ألا نحتكم إلى غير حكمه وكتابه كما قال:
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿ 44 ﴾ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿ 45 ﴾
(المائدة 44 – 45 )
لهذا كانت الحرية في الاسلام محاطة ومشمولة بحدود الله عز وجل التي وضعها في كتابه العظيم فمن اعتدى على حدود الله سبحانه وتعالى فله عذاب عظيم في الدنيا والآخرة. ولهذا وضع الله سبحانه وتعالى حدودًا لا ينبغي لأحد أن يتخطاها لكي يستقر المجتمع ولا يجور أحد على حق أخيه، ووضع المولى عز وجل في كتابه العظيم قواعد عامة تحكم المجتمع وأخلاقه كما جاء في آيات عديدة تعلم الناس حقوقهم وواجباتهم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿ 282 ﴾
(البقرة 282 )


Post A Comment: