يشتغل فن القص عند بشير عمري على منظورات الذّات باعتبارها فاعلا قصصيا، فهو لا ينفصل عن القصّة إلا باعتبارها تخييلا، ولهذا يضع اللغة في اعتباراته القصصية باعتبارها عاملا حاسما في عملية الإيصال والتّواصل مع القارئ كمشارك في النص على أساس تلقيه المنتج، وهو بهذا يختار بعناية اللفظ الذي يشعره قاسما مشتركا بينه وبين القارئ، كما هو حال عنوان "بعد الشّهر التاسع".
بداية ينفتح العنوان على ثابت بيولوجي يؤسّس من خلاله القارئ لفهم معيّن للنص، ثم يكتشف في نهاية القصّة أنّ أفق انتظاره خاب بفعل القصد المختلف للقاص، والذي يكشف عنه في المدّة التي قضاها "كريمو" في السّجن، فيصبح هذا الانزياح من البيولوجي المنتظر إلى الزّمني المؤكد عبارة عن عملية حابلة بالمفاجئ الذي يكتنف حالة القراءة وهي تريد أن تكرّس المستوى الأوّل من فهمها الذي تعالق مع مقتطف ما في العنوان، فالخروج من سجن العالم شبيه بالخروج من سجن الرّحم، باعتبارهما مكانين مغلقين، فمن الرّحم يستقبل الإنسان الحياة بما يجعله باحثا عن هوية، أما الخروج من السّجن فيحمل امكانية قراءة الهوية، باعتبارات المراجعة والرّجوع إلى الذّات.
القصّة تنتهي حكاية عند انتظار خروج كريمو من السّجن، والمنتظِر هي المرأة التي تغيَّر شكلها بفعل التقدّم في العمر، لكنّها تنتظر هذا الخروج، وكأنّه يمثل إليها خروجا من شكلها وعودة إلى سابق عهدها بجسدها الذي يعتبر حلقة الوصل بينها وبين العالم والحياة، ولذلك تخبرنا القصّة بأنّها ".. تنحت عن النّافذة وتحوّلت واقفة أمام مرآة خزانة الفلين"، هذا التحوّل من النّافذة التي تطلّ منها على العالم إلى المرآة التي تطلّ منها على نفسها وأعماقها، يمثل اللحظة الحاسمة في إبداعية البرهة الوجودية الفاعلة، إذ يتم ترحيل العالم إلى الذّات من خلال التقاط حركته (العالم) من النّافذة، ثم تفعيل الدّاخل النّفسي عن طريق صراع المشاهد والأشياء المتناقلة إليه، فيحدث التشكل المتجدّد للذّات ومنها يتشكل النص باعتباره تعبيرا موضوعيا عن الواقع الذّاتي أو الفردانية في خلوصها الخاص.
إنّ المرآة تعتبر "مرحلة" بالنّسبة لتطور الإنسان نفسيا حسب ما يسمّيه جاك لاكان "مرحلة المرآة"، فالطفل يكتشف ذاته من خلال المرآة التي تضع حدّا بين واقع متخيّل (الصّورة) وواقع حاصل (الذّات الواقعية)، هناك نوع من الانتقال من المتخيّل إلى الواقع واكتشاف الفروق بينهما أو التّطوير النّفسي للشّخصية من خلال ادراك الواقع عن طريق المتخيّل، وهذا ما ركّزت عليه القصّة في اكتشاف عنصر مركزي من عناصر أشياء القصّة، "وابتسمت حين لمحت مما عكسته خلفها المرآة شورت الليل معلقا بمكانه للشهر التاسع تواليا"، "شورت الليل" يحيل إلى واقع المرأة المنحرف، والانتباه إليه من خلال المرآة، يعكس مدى التحوّل الذي ندركه في الذّات من خلال المتخيّل، وهو ما يفتح النّهاية على تأويل لا متناه من المتواليات السردية التي تحاول فك شفرة ما بعد  "الخروج"، الذي سكتت عه الحكاية وانتهت عند حدّيته، وهو ما يشكل خروجا ثالثا، فبعد الخروج من الرّحم والخروج من السّجن، يتأسّس الخروج الثالث انطلاقا من المستوى السردي الذي يؤثث للتّخييل المستمر للقاء السّجين مع المرأة.
 "كريمو"، تخبرنا الحكاية أنّه ".. كان قد اعتاد تتبعها كل صباح كلما أغلقت وراءها باب بيتها.."، فالتتبّع ينجز في الوعي استمراره المبحوث عنه من طرف المرأة، كشخصية ورقية، ومن قبل القارئ كمشارك في تتمة الحكاية من خلال "المعنى"، وتخيّل المشهدية في التواصل الجديد بينهما، وهو ما يعتبر خروجا إلى المتخيّل الذي أسّس له عنصر "المرآة" باعتبارها فارقا جوهريا بين لحظة الذّات الواقفة أما خيالها والصّورة المنطبعة على صفحة المرآة باعتبارها "مجازا" لحقيقة واقعة.
ترسم الحكاية في "بعد الشهر التاسع"، المدار البنيوي الذي يشمل الذّات في تحوّليتها (من الخيال إلى الواقع، من الصّورة في المرآة إلى الصّورة في الواقع)، وانتظاراتها الجدّية (انتظار كريمو) والعبثية (عدم تحقق اللقاء أو العودة إلى المرأة بعد الخروج من السّجن)، هذه المسارات تشكل بنيويا حلقة التواصل بين الإنسان ومحيطه النّفسي والاجتماعي والتّخييلي، فالعالم لا يقوم فقط على ما هو واقع منظور، بل يتشكل في عمومه من الحلم المؤثّث بنيويا في دائرة المتخيّل، الذي يرفد العالم الواقعي وفقا لطبيعته (المتعدّدة) واللامتناهية.




Share To: