كنت منغمسا في همومي اليومية ،المعتادة ،وشبه المتكررة، لا أنتوي فعل شيء، سوي تدريب المقاومة الروحي الصباحي،الذي يبدء عادة بالصلاة ،ثم قراءة المعوزتين ،إلي الإستغفار؛،والتسبيح، ثم قراءة الورد اليومي ،حتي تلك الدقائق المحورية الحاسمة ، التي ينفتح فيها باب الروح قليلا لتدخل تيارات الهواء البارد والمنعش ،فتتسع الرئة، ويبدء التنفس الروحي ،وتسخن الحوارات ، ثم تتلاقي ،وتتجمع الأسئلة،والإستفسارات ويتكاثف الدخان الصاعد من الحلل داخل المطبخ ،وتعم البيت الحركة ،ويعلو صخب العيال .
كنت أعرف في أعماق نفسي قدر العزلة ،وضريبته الفادحة ،التي سوف تدفع بشكل ما ،إما جبرا ،إما طواعية .مرت سنين وسنين علي أيام المرح والحب والشقاوة ،تجمدت فيها أنهار الذكريات ،وتحولت إلي مجرد ممر عابر ،في يوم صقيع ،تذكرت صحبة أصدقاء العهد القديم ،الأول، والوحيد ،والذي أثبت أصالته ومتانته التي لا تلين، ولا تقهر أمام رياح التغيير ،وقسوة الزمن وسطوته ،برغم من خيوط الشيب التي خطت رؤوسنا. كنا نمر بميدان يتوسط مداخل أحد الأحياء الشعبية، في الإسكندرية،العطارين، حيث يرقد مقام أحد المشايخ المجهولين، وكان إسمه( سيدي أبو الدردار )،وكنا نضحك من قلوبنا،ونحن نستمع إلي أغاني أونريكو ماسياس ،حين قال صديقنا منير يوسف ، صاحب القفشات والدم الخفيف :هل تعرفون ما هي وظيفة سيدي أبو الدردار الحقيقة ،قبل أن يصبح كما تعرفونه ،شيخا وصاحب مقام ؟فصمتنا مذهولين ،لا ندري ماذا نقول ،حتي قال :أنا أقول لكم ..لقد كان مدرس لغة فرنسية !!ها ها ها
كم مر من الزمن علي هذه الضحكات الصافية ،التي تنط من القلب ،فتطلق مراوحه علي نفوسنا وأروحنا لتغسلها ،وتعيدها سيرتها الأولي.
الآن، وبعد مرور اكثر من خمسة وعشرين عاما ،مات منير ،ولم أستطع السفر لحضور الجنازة ،او حتي العزاء. .
(2)
من الإنشغال باحتياجات العيال ،ورغباتهم ،وتقديم كل ما يمكن تقديمه ،حتي لا يشعرون بالنقص أو الحرمان ، بالأحرى، تعويضهم عما حرمنا نحن الآباء منه ،والإستمتاع بتوفيره لهم ،إلي الخوف علي مستقبلهم من الدلع الزائد، ومقابلة مصير مجهول ،لا يعرفونه هم ،ونعرفه نحن حق المعرفة ،كانت تدور غالبية الحوارات والمشاكل في فلك ذاك القلق ،وتلك المخاوف المزمنة .نسينا حقا أنفسنا، ونسينا الكثير عن تلك الشقاوة، التي كنا فيها ،وتحولنا إلي مسئولين، مسئولية شبه كاملة ،أو هكذا خيل لنا ،وفي غفلة منا ،أن بإمكاننا صناعة كل شيء في حياتهم ،متناسين رغبتهم الأصيلة في بناء ذواتهم بأنفسهم، ودون مساعدتنا ،وبرغم صدمتنا من ردود أفعالهم أحيانا، لأنهم -من وجهة نظرنا - لا يعرفون مدي الحب الذي نكنه لهم ؟ورغبتهم العميقة تلك في الإستقلال بعيدا عنا ،بشخوصهم ،التي هي في الأصل، خليط منا ،ومنهم ،خليط من أحلام ورؤي ،وربما أفكار عابرة ،لم نكن نصدق أو مر علي مخيلتنا أنها سوف تتحقق .ثم لنجد أنفسنا مرة ثانية ، في حالة إستسلام شبه كامل لطبائع الأمور، وأن لكل منا طريقه الخاص ،والذي حتما ،سوف يلعبون هم ،الدور الأساسي فيه ،وفي شكله ومضمونه النهائي، والذي يمس واقعهم هم ،بكل متغيراته وآلياته الجديدة. ويبقي علينا تذكر مع كثير من العرفان والأمتنان ، ذلك الدور الذي لعبه معنا آبائنا أيضا ، والذي انتهي إلي مانحن فيه وعليه ،وتبقي تلك السيرة الطاهرة بين الأب والأم والأولاد حاضرة إلي ما لانهاية ،دليل علي ديمومة الحياة واستمراريتها، وجمالها أيضا.


Post A Comment: