أفزعه ذلك السؤال الاستفزازي على الورق المختوم، الذي سلموه إياه في ليلته الأخيرة عندهم، فراح من لحظتها يضرب اخماسا في أسداس إلى أن يطبق عليه العدم بمطلقه تمام الاطباق.

صحيح أن الرصاصة تبقى أريح من الخيارين الآخرين، حتى أنه كان دوما يضحك من عبارة “رصاصة الرحمة” وكلما كان يعاوده الربو الحاد وسط ذلك الحي الغارق في الرطوبة والطين اللزج القاهر بساطُه الازلي بالازقة لقوة الشمس، واستحال على جيبه المُثقل بطاقة مظلمة من الفراغ، العلاج، تمنى أن تصطاده هاته الرصاصة وتشمله برحمتها من مسدس جاره الشرطي، فضحك مجددا من عبارة أخرى قد يتضمنها تقرير الشرطة حينها عن رصاصة جاره، قُتل خطأ بـ “النيران الصديقة”! 

لكنه حين دقق في الورقة ورأى ثمن الرصاصة لأول مرة، لأنه، وهو المطحون دوما في أسواق الخضار وبقوليات والملعبات الرخيصة، ظل يجهل كل مؤشرات الأسواق من مال ونفط وذهب، في نشرات أخبارها، فكيف يعلم بأسعار الرصاص والسلاح بلا مؤشرات ولا نشرات، فارتج بداخله واهتز، وقال أن ذلك يفوق طاقة عشيرته قبل عائلته وأسرته الصغيرة، ولم يكن مستعدا قبول فكرة أن تلبس زوجته من بعده، مأزرا لتمسح بيوت الأسياد، وتطبخ وجبات ابنائهم في المدارس الخاصة التي فتحت مؤخرا، فقط لتستوفي ثمن فاتوة الرصاصة التي سيعدم بها، فهي إن كانت ستغدو رصاصة الرحمة له هو، فإنها بمقابل ذلك ستظل رصاصة العذاب لها ولأولادها، أي ميراث هذا الذي سيلعنه بسببه أخلافه! فشطب خيار رصاصة الرحمة!

وكم توجع من المشنقة وهو يفكر في احتمال اختيارها من عدمه، ليس فقط لأنه تحسس حينها رقبته الطويلة التي ستكسر بعنف  بعد أن تسحب من تحت قدميه الطبلية بسرعة،  ويسقط متدليا داخل الهوة، وقد ينفصل فيها رأسه عن جسده، بل لكونه جاء الرابع في الصف، أي انه عليه أن يعلق بيديه على الحبل الثلاثة الذين يسبقونه، هذا ما تم تدوينه في الورقة! 

أما الحجارة التي قد يُرجم بها في حال اختارها عن الرصاصة والمشنقة، فرأى فيها فرصة لإثارة شفقة الجميع، طبعا ليس أولئك الذيين سيقذفونه بها من كل جانب، هؤلاء سيكونون من رماة محترفين لا يخطئون أهدافهم، اعتادوا رمي القنابل اليدوية، مشاة بلا كلل ولا ملل في صحارى الارض، بعضلات مفتولة، وعواطف مدفونة في أزقة الجياع التي قدموا منها، لا يعصون قائدهم ويفعلون ما يؤمرون، بل شفقة الهيئات والمنظمات والأصوات الشريفة في العالم، فالدم الذي سينزف من كل أطراف جسده والحجارة تمزقه، ولباسه الذي سيٌخضب بالقرمز وقيامه وكوبه وهو هارب من الرجم باتجاه غير معلوم، سوف يجعلهم ليس فقط يرقون له بل يكفلون عائلته من بعده.

وحين استشار زميله في الزنزانة، ضحك منه وقبل أن يسأله، ذكره بوضعهما مع سؤال الفلسفة في مسابقة الثانوية العامة! 

- أظنك تذكر الصيغ الثلاث التي جاء بها الاستفهام، (ماذا تعني لك الموت هنا في الحياة؟ ما هي الحياة من منظار الموت؟ هل نعي للموت لنحيا أم نحيا لنعي الموت؟) !! الكل عاد وقتها إلى مقرر السنة فلم يجد درسا لهذا السؤال فقال أحدهم الامتحان مغلوق! 

ثم عاد ليسأله:

- وهل تعتقد حقا أنك ستُرجم على المباشر حتى يشفق عليك و يبكيك العالم؟

ما إن حاول الرد عليه حتى فتحت الزنزانة وألبس القناع الأسود الذي يخطيه من رأسه حتى منكبيه.

رفض أن يُرجم تحت القناع الأسود أو معصوب العينين، لم يجبهم عن سؤالهم لماذا يريد رؤية دمائه وهي تشخب منه وجسده تنال والحجارة المدببة التي جهزها بيده طيلة فترة الاعمال الشاقة التي حُكم بها في البدء، ليس شجاعة منه ولا بغرض رؤية المشهد لأنه كان يسقضي من أول حجارة من على يد أحد رجال الصاعقة، الذين اعتدو رمي القنابل اليديوية في المناوارات، لكنها قنابل بالذخيرة البيضاء، بيد أنه لا يوحد رجم بالحجارة البيضاء، وقتها فقط فهم معنى أطفال الحجارة الذين كان يسخر منهم في مجالس الجائعين، وعليه ستكون رميات هؤلاء الأشداء بالصحراء أشد فتكا من القنابل البيضاء، ولكنه ظل يأمل في أن يتفجر ويتمزق جسده على كنز لأولاده، فالعالم لا زال يؤمن بالبطولات!

طبعا لم يكن يتأمل على تلك الطريقة التي أضحكته وهو يذكرها لتوه، يوم استوقفه أحدهم وطلب منه أن يوفر له ملاذا في بيته مقابل أنه يعطيه ربع ما يحمل من حقيبة مملوئة بالملايين من الأوراق النقدية استرقها للتو من البنك، ولما أن قاوم رافضا وحاول الفرار إلى بيته، كشف له عن الكاميرا الخفية التي شارك فيها، وشكروه على حسن اخلاقه وفضيلته ونواياه الحسنة، دون مكافئته ولو بورقة نقدية واحدة، ولم يجرؤ على سؤالهم ساعتها هل كانت أوراق حقيقية أم تمثيلية!

الأكيد هو أنه هنا كان سيغطي وجهه اتقاء الحجارة، ويرقب من فتحة فيما بين أصاعه إن كان أحدهم يحمل هاتفه أو كاميرا مختبئة تنقل على المباشر أنينه وألمه وموته تحت الرجم بتهمة ليس يدري بعد نصها وجرم لا يذكر طبيعته إن كان سرقة موصوفة أم قتل بترصد أم زنا المحصن!

كان وابل الحاجرة يناله من كل جانب وهو يجري كالكلب البري يصيح “لست محصنا لم اجد بعد مسكنا، لم أبلغ الحلم، لا قدرة على الصداق، هي فقط الغواية، أجلدوني ولا ترجمون!”

 سقط من سريره الوثير فصبت عليه ما كان متبقيا من قنينة ماء إيفيان المعدني، جفل ورفل وجهه من الماء، بعد إذ استفاق، فتطايرت قطراته حتى وصلت وجهها  وهي تطل عليه من حاشية السرير، غارقة في الضحك تفوح من فمها ريحة آخر جرعة الجيسكي خليط بين الويسك والجين.. الخليط لم يكن يعرفه قبل لقائها في ذلك الفندق الفاره الفاخر..

- عزيزي النائب أنت الآن في باريس   حيث لا محصن ولا مسجون!

قبل أن يسحبها بقوة من ذراعها من على السرير إلى بلاط الغرفة الرخامية ومنه إلى صدره وهو يداعب بأصابعه البدوية المتوحشة شعرها البني القصير، نظر بشهوة إلى صدرها من خلف لباس النوم القصير الشفاف الذي ليس فقط يكشف بياض جسدها البض بل يعيد رسم تلاوينه المتغيرة مع حركة الضوء الخافت المنثال من ثريات من الكريستال مرتين، مرة باللون الشفاف ومرة بلون الظل المستاقط على غابة صدره السوداء، وهي مفترشته على الارض، تنفث بأنفاسها الخفيفة على ذلك السهب الأسود الممتد من أعلى صدره نهاية بطنه، فتساءل لحظتها، فقط من تكون حقا، وهل تكون حقا قد سمعت شيئا من ثقل صراخه بالليل، فُرش الطين اللزج بالأزقة الطوبية الرطبة، رصاص الرحمة، صوت طبلية المشنقة وهي تسحب من تحت الاقدام، حجارة الانتفاضة وحجارة الرجم، ثم أطبق بذراعيه الاثنين عليها قائلا:

- شكرا لله على حصانة! 

 




Share To: