الدخول في عمق النص والبحث في تأويله أمرٌ مهم وخاصة بالنسبة للكاتب أو الباحث أو ممن أتخذ من اللغة حيزا كبيرا في مجال التأليف بشتى الصنوف الأدبية وبالخصوص عالم الرواية ، وحين ولوجنا في فهم الزمن ودلالته للنص السردي للروائي علي لفته وجدنا.. أن الباحث في مسألة الزمن في النص السردي قد غاص بعيدا ليأتينا بجماليات عنصر الزمن ومدى أهمية هذا العنصر في الرواية مستعينا  بمصادر أدبية وفلسفية بلغت 42 مصدرا ومستشهدا بعدة أقوال لبعض الكتّاب على المستوى العالمي والعربي ، وقد كان حذرا ومهنيا متسلحا بالعقلانية مبديا رأيه وفق معايير مهمة حتى أنك حين التمعن ستجد الباحث وكأنه صنع رسالة أكاديمية عالية التفوق  .
فقد شرع في العنوان وتساءل هل أن العنوان يدخل ضمن السياق الزمني أو أنه من البنى الإنزياحية أو هو لحظة البدء الزمني وهنا يحدث الاختلاف بين زمن الإنتاج وزمن التلقي ، وقد أعتبر الباحث أن العنوان ابن بيئته فلكل بيئة خصوصية كما أن ولادة العنوان يأتي وفقا للتطور الحاصل من خلال المعارف والإدراك .
وقارن بين العناوين في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات ، وقد ذكر قول جنيت ( أن العنوان مبنى وشيء مصنوع لغرض التلقي والتأويل )
ثم قسم (جنيت) العنوان إلى أربعة وظائف مهمة وهي الوظيفة الوصفية والإيحائية والاغرائية والتعينية مؤكدا على أن كل وظيفة يجيء بطياتها عنصر الزمن ، وبهذا نتج من خلال الدراسات عن وجود ترابط ليس بين العنوان والمتن بل العنوان والزمن في لحظة التدوين والإنشاء والتعالق والتغيير بين نص وآخر ، مستشهدا بعناوين مهمة لها صلة بالزمن كالوسادة الخالية وهو زمنٌ مخبوء يراد منه الظهور بعد الإطلاع ،والبداية والنهاية وهو زمن محصور بين معلومين ، وكذلك يوم مقتل بائع الكتب وهو زمن انطلاق البحث عن العنصر البوليسي .
أكد الباحث على أن العنوان أهمية قصوى لأن المتلقي من خلاله يرسم انطباعا أوليا عن النص وأكد أيضا على العناوين الفرعية ومدى قدرتها على الدهشة واعتبر تلك العلاقة كعلاقة الأم مع الأولاد .. علاقة ميتافيزقية ،البحث فيها في ما الورائيات أو ما وراء الطبيعة وهو فرع من الفلسفة يدرس جوهر الأشياء وبهذا تكون قارة لا يمكن التخلي عن وحدتها ، وتطرق إلى الزمن والاستهلال ومعنى ذلك مفتاح النص والبوابة الأولى والتي من خلالها نعرف البعد الزمني ، مؤكدا على أن الإخلال به قد يؤدي إلى الإخلال بالنص .
وقد استنتج أن وضوح الزمن يكاد يكون مفضوحا ومعلقا في الصياغة معززا ذلك بعدة شواهد وأقوال  للناقد المغربي محمود المصفار ولكافكا وفي رواية الغرب لبير كامو وفي رواية اللا أين لطه حامد وكذلك استهلال رواية باب الخان لعلاء مشذوب ، فهناك العديد من الروايات التي لا تبدأ بالمكان أو الوصف أو الإخبار لكن الزمن فيها إما ظاهر للعيان بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، رغم أنه ليس من السهل اكتشاف الزمن من جسد الاستهلال بصورة مباشرة ، كما أكد على مفعولات الاستهلال كمفعول الحكاية، وهذه تجتمع في خاصية زمنية محددة تنطلق من لحظة القبض على عملية التدوين ، وقد تطرق إلى الاستهلال وتثبيت الخريطة مؤكدا على أن نجاح النص ليس سمته اللغوية أو حبكته في التدوين فحسب ، بل لترابط الزمن فيه معتبرا أن الزمن هو الجذر الذي يمنح النص ما ينمو به من إشباع الري وطريقة الإسقاء وكيفية منح الضوء ، مبينا أن الاستهلال هو الأصعب في عملية التدوين وهو الأكثر عناء بالنسبة لمنتج الرواية مستشهدا بقول ماركيز ( بحثت عن الجملة المناسبة لرواية خريف البطريرك طوال ثلاثة أشهر ) وأن ( أصعب ما في الرواية الفقرة الأولى .. في الفقرة الأولى تُحل معظم المشاكل التي تواجهك في كتابة الرواية )
ثم تناول الزمن ووحدات النص وتوصل إلى أن الفصل بين الزمن ووحدات النص غير ممكن .. سواء كانت هذه الوحدات مخيالية أو كانت مستلة من الواقع والتغلغل واقع من حيث يعلم المنتج أو لا يعلم ، وأظهر تناقضات الزمن الأدبية مؤكدا على الفرق بين الطبيعي الذي لا يقبل التناقض وبين الزمن الأدبي القابل للتناقض لأن هذه العملية تخضع للتأويل مستشهدا بنصه ( ثمة طائر نورس يحوم في السماء .. كانت الظهيرة مشتعلة بشمس تحرق الرؤوس ..وهناك قصب يابس صار ظله بمستوى تمايله لا يزيد عن طول الأنحاء التي تبعث به الريح البطيئة .. )
واستطاع الباحث إظهار تأثير المفردات ومدلولاتها على الزمن ومثال ذلك الفعل (ركض) يعني بدء الزمن والخروج للشارع .. أو بزوغ القمر وهي تحولات البدر في أشكاله المتعددة ليعطي زمنا محسوسا بوجود الظلام ، وقد لخص عملية الإبداع بكيفية التعامل مع الزمن داخل المتن وهو أمر لا ينفصل عن كيفية التعامل مع حيثيات النص .
تطرق الباحث إلى الزمن المكاني وبين العلاقة الأزلية بين الزمن والمكان وصلة الترابط ، ذلك لأن الزمن لا يتحرك في فضاء مبهم بل محدد المعالم وربما يكون المكان حيزا أرضيا أو مكانا فوقيا سماويا فضاء افتراضيا أو واقعيا ،وبهذا أظهر لعبة المداولة والتقابل والتفاضل بينهما .
وتطرق إلى أسبقية الزمان أم المكان وورد في هذا الموضوع عدة أسئلة فلسفية ربما لم نعثر على إجاباتها وللآن ، وتطرق للزمن الافتراضي وتعدد المزايا وذكر ( فليس بالضرورة أن يتضمن النص معلومات زمنية تاريخية مثلا أو مُستلة من وقائع تاريخية لكي تثبت زمنية الواقعة التي يتناولها النص بل من الممكن تخليق زمن افتراضي لواقعة افتراضية لها ارتباط واقعي ) ومن ذلك أراد الوصول على أن المنتج يمكن له أن يخلق زمنا افتراضيا مستشهدا بأن الغروب في أوربا مختلف عن الغروب في الشرق ,
وهنا يتجلى الإبداع والتحليق في فضاء الجمال .. من خلال اللغة وتوظيفها بطريقة الحاذق القادر على الخلق والابتكار وقد تجسد ذلك عند الباحث في الزمن الافتراضي ودلالات الوجود ،فالمخيلة هي الأساس في بنية النص وهنا يمكن التفريق بين كاتب النص وكاتب التاريخ ومؤرخه أو حتى باحثه ، إضافة إلى أن الزمن الافتراضي يمنح المنتج لعبة التجديد والتجريد والمراوغة والتماهي وبهذا لن يكون الزمن مغلقا. 



Share To: