مر اليوم الثالث من الضياع المفاجئ للمنظار، ولا شيء بات يشي بالعثور عليه مجددا، فاحتار الناس هل بحثون عن المنظار، أم يعودون للرؤية بعين المجردة في محاولة استكشاف طبيعة ذلك الجسم المعلق بسماء مكانهم القصي في كبد الصحراء؟

أما هو فواصل مهمته وفق الخطة التي وضع تفاصيلها من قبل وصوله إلى هناك حتى، فسعى من الوهلى الأولى إلى معرفة ما صرح له به أول من لقيه في الطريق من أن التوجس والخوف الذي سكن الناس ودعاهم للمزيد من العاء والصلاة وتقديم القرابين والذبائح، قد قلب نظام البلدة رأسا على عقب مذ ظهر ذلك الجسم المعلق في الخواءات الزرقاء الفسيحة..

وقتها وجد نفسه مجبرا على إجراء بعض التعجيل على خطته، إذ بات عليه أن يعرف كيف كان نظام البلدة قبل طلوع الجسم ذلك إلى كبد السماء.. 

افتعل الحاجة لبعض الأشياء من البقالات والحوانيت القليلة المنتشرة في أزقة البلدة المتربة والمطرزة جدرانها الطوبية الحمراء بخطوط ملح الرطوبة البيضاء، حتى أنه افتعل الحاجة للاحلاقة، عسى أن يتفحص صورا للبلدة معلقة على جدرات تلك المحلات والحوانيت، كما هو حاصل في محالات المدينة، لكن لا شيء من ذلك القبيل كان، فظن أن آلة التصوير التي يعلقها على صدره قد تكون فلربما الأولى التي زارت هاته البلدة، فضطر أن يسأل معلما من الثلاثة الذين يدرسون في المدرسة الوحيدة..

- ألا يوجد هنا رسام فنان؟

- لا أبدا وماذا عساه أن يرسم في رأيك؟

- الطبيعة 

- نحملها فينا !

اكتفى بما سمع وأخذ سبيله إلى مكتب مسئول البلدة، كانوا في اجتماع مفتوح لتدارس المشكلين معا، ظهور الجسم المعلق في السماء، واختفاء المنظار الذي طالبوا به الدائرة الحكومية بالعاصمة وأمدتهم به، وزاد هو على ذلك مشكلته الخاصة، معرفة كيف كان نظام البلدة قبل أن ينقلب بظهور الجسم؟ لكنه احتفظ بها في دخيلته.

كان رئيس البلدة منزعجا منه مذ وصليهم، ويرى في آلة تصويره منظارا كاذبا يحول الرؤية من الخارج إلى الداخل من البعيد إلى القريب، ولأنه لم يطق السكوت حياله استدار نحوه قائلا:

- لم حضرت بآلة تصوريك إلى هنا؟

- لأنقل اجتماعكم وانت تعالجون هاته الأزمة الكبرى!

فرمقه  الشيخ نظرة غير عادية:

- ألا تعرف بأن التصوير هنا حرام؟

- منذ متى؟

- مذ خلق الله الأرض!

تدخل رئيس الخفر قائلا في استهزاء:

- على كل ليس يضر تصويره في شيء طالما أن النسوة قرن في بيوتهن مذ علق هذا الجسم في سمائنا

ارتج لسماع الكلمة، وكاد يقفز من الفرحة، وقال من دون أن يدري بصوت وجدتها الآن مشكلتي انحلت، كانت النساء تمشي في أزقة البلدة.. لم يبقى سوى مشكل الجسم والمنظار!

- ما التي وجدتها؟

سأله الشيخ

- آه لا لا شيء أحدث نفسي!

فجأة أحاط فتية بمجلس البلدة، عمائمهم مكورة، وجههم كالحة، لحاهم معtرة بغبار كأنه الجير  من زحمة أقدامهم المتنعلة جزمات من جلد المعاز الذي يجوب المكان كما الأنسان! 

- كيف يظل هذا الجسم الغريب معلقا في سمائنا دون أن نقدر لا على معرفته ولا على اسقاطه.

قال أولهم وزبد اللعاب الغضب يفيض من زوايتي فمه..

فرد رئيس البلدة:

نحن نتدارس الأمر يوميا لايجاد حل في أقرب وقت، لهذا طالبنا بمنظار لنسكشف طبيعة هذا الجسم، فلا يمكن اسقاطه دون معرفة طبيعته!

- ليكن ما يكون..

رد بعنف الفتى

شعر الجميع بحالة الاحتقان فتدخل الشيخ والسبيحة اللاماعة تتدرى من أنامل يده مع خاتم فضة بعين حلقية سوداء تتلألأ من صحنه:

- لا يمكن استعمال القوة دون معرفة طبيعة الجسم، فربما كان روحا من السماء، أو عينا تحرصنا..

- وماذا لو كان سحرا يستهدفنا.. أو شيطنا يطلع على نسائنا

- لا يا بني السحر من عمل الشيطان لذا فهو  يظهر للعين ولا يطير

هزت كلمة الشيخ الجمع الذي هرع كله إلى مقر البلدة، فعاود الفتى ذي سُمرة الأرض النازعة إلى حمرة من أثر لهب الشمس.

- وفي هاته الحالة ما الفائدة من المنظار وأين هو أصلا؟

- أنا كنت ضد طلب المنظار، لأنه يفضح أكثر مما يستكشف!

ثم طأطأ وقال في صوت منخفض:

- حتى لا تستباح بيوت الناس!

هاج وماج الناس من كلام الشيخ، وتعاظم صخب الكلام وانقلب إلى صياحات شبيهة بصوت الحمام، فسخنت الأنفس وعلت عصي الجميع، قبالة باب مقر مجلس البلدة، تتهدد وتتوعد، فتخوف على نفسه ما اضطره إلى أن ينزع عن رقبته آلة تصويره ليخبئها في حقيبته المعلقة على كتفه.

وتحت ضغط الناس حمل قائد الحرس مجموعته، ببنادق البارود التي تحتفل بالمواعيد والأعياد، زيارات كبار المسئولين والاعراس، وتسلق الجميع هضبة البلدة الأعلى فراحوا يصوبون البارود باتجاه الجسم الغريب الذي لا يشبه طائرا ولا طائرة ولا مروحية، ولما لم يفلحوا في اسقاطه، أمر القائد بوقف إطلاق النار!

- مدى النار الذي عندنا لا يصل الجسم، وقد نضيع ما بقي لنا من الذخيرة فلا نجد ما نحتفل به في ذكرى المولد التي باتت على الأبواب..

توقف الصخب كلية ومرة واحدة، اقتنع الجميع، فهدأت الأنفس ونزلوا صفا واحد من أعلى الهضبة،  والجميع يهلل ويكبر..

وفي غرفة التحميض حيث يعالج شريط صوره التي سينشرها مع التحقيق كاملا بالجريدة التي أوفدته إلى هناك، شدته وهو يقرب المجهر من الصورة، لقطة ابتسامة الشيخ وسط تهجم وخيبة الجميع بعد فشل نيران بارودات أعوان الاخفر القديمة في سقاط الجسم المعلق في سماء البلدة ، فتساءل “كيف نبتسم من الفشل؟”

- آه وأين المنظار؟









Share To: