لم يكن شيء يُعجِب ركاب ذلك الباص الذين رافقوا الشاعر محمود درويش في سفره الدائم ، وقد باح كل منهم بسرّ أوجاعه ، فما أن أعلن السائق العصبي عن بلوغ المحطة ؛ حتى صرخوا بأنهم يريدون ما بعد المحطة ، ليختار درويش النزول بعد أن أتعبه السفر ، لقد كانت تلك المحطة وقفة لهؤلاء المسافرين مع ذواتهم ، فمنهم من اختار المتابعة ، ومنهم من اختار التوقف ، ليستأنف الباص المسير ، ويتابع المرور بكل المحطات ، وهكذا هي حياة الإنسان ؛ رحلة في مركبة يشاركه فيها ركاب آخرون ولكل منهم وجهته ، وأثناء المسير يتخذ الطريق مسلكاً مستقيماً في أغلب الوقت ، لكن لا بدّ من نقطة ينعطف عندها ، وخلف كلّ منعطف يكمن القادم في حياة كلّ راكب .
وكما في تاريخ الأمم ؛ فقد حملت بعض المنعطفات بذور التقدم والقوّة والنصر ، في حين أخفى بعضها في ثناياه وابلاً من الهزائم والنكبات والويلات ، لكنّ أغرب المنعطفات ذلك الذي ما انفك عن تكرار ذات النتائج حيث استمرت ذات المعطيات في التكرار ، ولا يختلف واقع الأفراد عن الصورة الكبيرة للتاريخ الإنساني الطويل ، فأنت وخلال ركوب الباص تسمع الكثير عن حكايات المنعطفات ، والفرق أنّ الطريق في الحالة الطبيعية يحتوي على الكثير من الشواخص التحذيرية التي تُنبه إلى وجود المنعطفات قبل مسافة كافية ، كم أنها تُنبه إلى مدى شدة وخطورة بعض المنعطفات ، وهو ما لا يتوفر في طريق العمر الذي لا نعلم منه سوى ما قُطع في الماضي ، فطريق العمر وإن كان مستقيماً هادئاً وطبيعياً معظم الوقت ، إلّا أنّ المرء يقطعه وهو يعلم أنّ استقامة الطريق ليست أبدية ، فلا بدّ من لحظة ما ينعطف عندها الطريق ، وإنّ تلك اللحظة تكمن في اتخاذ قرار مصيري ، وربما يُجبر الفرد مدفوعاً بالظروف المحيطة على اتخاذ ذلك القرار الحاسم ، والمحصلة تحوّل في خطّ السير الاعتيادي للحياة اليومية ، وطريقة التفاعل مع أحداثها وشخوصها ، وقد يكون ذلك التحوّل نحو الانعطاف سلساً وسهلاً ، ويحمل في جوانبه أسباب السعادة والنجاح ، ما يجعل ذلك الانعطاف سبباً في تغيير الطريق باتجاه الأفضل ، لكنّ بعض المنعطفات تخفي الكثير من الحزن والألم والخسارات بين انثناءاتها ، والمرء خلال سيره على طريق العمر يواجه الكثير من المنعطفات الناعمة التي لا يكاد يشعر بها ، لكنّ اللحظة التي تتغير فيها حياته كلياً نحو الأفضل أو الأسوأ ؛ هي اللحظة التي يقابل فيها ذلك المنعطف الذي لن تمحوه الذاكرة ، وإنّ ذكرى بعض المنعطفات تكون مريرة لطول فترة الانعطاف ، وكثرة الانزلاقات ، ووحشة الطريق ، فالبعض يُضطر إلى مواجهة المنعطف الأخطر في حياته منفرداً ، حيث يتخلّى عنه الصديق والقريب ، وربما تشتدّ عليه عواصف اللوم ، فملامح الفشل فقط هي ما تبدو شديدة الوضوح في ذلك المنعطف ، ولا مجال للعودة إلى الوراء ، وهكذا يخوض المرء أقسى آلامه ، وهو يُصارع الندم محاولاً التشبث بكلّ بارقة لانفراج الطريق ، لكنّ الالتفاف وإن طالت مدته لا بدّ ذاهب إلى نهاية ، فيعود الطريق إلى الاستقامة من جديد ، وحتى يألف الفرد ملامح المسار الجديد ؛ فإنّ الإيمان باللّه ، و الصبر، والوقت ، وامتلاك أسرار الإرادة فقط هي ما تحمله على تقبّل الواقع المستجد ، والقيادة على طريقه باحترافية عالية ، حتى وإن لم يكن الطريق مُدرجاً على خارطة التوقعات ، وكما تؤدي زيادة السرعة على المنعطفات إلى انقلاب المركبة ، وإلحاق الخسائر بأصحابها ، فإنّ المنعطفات الهامّة في حياة البشر أيضاً كذلك ، فانعطافات الحياة يجب أن تُعامل بالكثير من الهدوء وضبط الانفعالات ، وإلّا فإنّ الاستسلام إلى مشاعر الغضب ، و الحزن ، واستمرار التردد ، واجترار الندم لن تؤدي إلّا إلى تعقيد الموقف أكثر ، وتأخير الخروج من ذلك المنعطف ، وربما يكون حتف المرء فيما تمناه ، إذا لم يُحسن التعامل مع تضاريس الطريق وانحناءاته ، وكم من شخصية تقف اليوم على منصات التكريم ؛ لتحدثنا بفخر وسعادة عن تلك اللحظة التي غيّرت حياتها إلى الأبد ، ونراقبهم والدموع تملأ عيونهم ، وهم يسردون قصصهم مع تلك المنعطفات التي اختاروا ، أو وجدوا أنفسهم مضطرين للمرور بها ، وهم اليوم يحمدون الله ، فلولا تلك المنعطفات لما وقفوا أمامنا كما هم اليوم .
وليس كلّ قرار يتخذه المرء في حياته يُصوِّر منعطفاً على الطريق ، وإنما يتمثل المنعطف في تلك اللحظة التي أحدثت حياة الفرد بشكل جوهري وإلى الأبد ، وقد تؤخره دقة التوقيت ، أو الإمكانات ، أو البيئة المحيطة عن تجاوز ذلك المنعطف ، لكنها حتماً لن تُثنيه عن الخروج إذا ما امتلك إرادة التصميم ، ونُضج التجربة ، وصدق الإيمان بم اختارته إرادته ، حتى وإن وجد المرء ذاته مُجبَراً على دخول ذلك المنعطف الخطير ، فلحظة الانعطاف لا تكون مسبوقة بالتخطيط دائماً ، ولا بديل عنها أحياناً ، ما يتطلب حُسن تقدير الموقف في ذات اللحظة ، وتقبل ذلك الانعطاف على أنه جزء متمم لمعالم الطريق ، الأمر الذي يُعين الفرد على التركيز في كيفية الخروج من ذلك المنعطف مُفعماً بالأمل الدائم ، والثقة المطلقة بأنه يستحق أفضل ما في طريق بعد المنعطف ، بدل هدر طاقته ، و استنزاف مخزونه العصبي ، واستهلاك عواطفه في محاولات بائسة لمقاومة الانعطاف ، وإصراراه على توجيه النظر نحو الخلف البعيد .
فتلك المرأة التي لاقت ألواناً من الهوان والعنف والحرمان وانعدام التقدير لسنوات ، مع زوج يفتقد أبسط قواعد التعامل الإنساني ، وقد باءت كلّ محاولاتها بمتابعة الطريق ، وتصحيح مسار العلاقة بالفشل ، ، كانت على موعد مع منعطف الخلاص ،
عندما اتخذت هي قراراً بالانفصال ، وذلك الرجل الذي اتخذ قراراه بشق طريق أسري جديد ، بعد فشله في الحفاظ على علاقة غير منسجمة امتدت لعشرين عاماً ، كان أيضا على موعد مع منعطف جديد ، كما كان الموظف الذي اعتاد روتين الوظيفة التي مارسها بعد تخرجه ، أيضاً على موعد حاسم ، في اللحظة التي قرر فيها البحث عن ذلك الشغف الذي كان يملؤه منذ الصبا ، وقد اختار أن يتخذ منعطفاً على الطريق بتقديم استقالته ، ولم يكن أولئك الشباب الجامعيون ؛ وقد طال انتظارهم لحلم التعيين في وظيفة تتناسب ومؤهَلاتهم العلميّة مُخيّرين ؛ عندما وجدوا أنفسهم على منعطف اضطراري يحمل آمالهم وأحلامهم نحو وجهة أخرى ؛ عندما وجدوا أنفسهم مجردين من حرية الاختيار بالعمل في مجالات لا تُلبي طموحاتهم ، وبعيدة كلّ البُعد عن تخصصاتهم الأكاديمية ، وتطلعاتهم المستقبلية ، وبأجور متواضعة لا تمنحهم رخصة التخطيط للمستقبل ، في واقع محموم بالأزمات والبطالة ؛ فكان المحظوظ من بينهم خسارة للوطن عندما أُتيحت له فرصة الهجرة إلى بلاد الغرب ، حيث ثقافة جديدة بانتظاره على ذلك المنعطف الجديد ، ويالِ حدّة ذلك المنعطف الذي قرر فيه أحدهم أن يتخلّى عن علاقات كان يحسبها لأعوام طويلة صداقات ، فبالأمس كان رهانه الأكبر على تلك العلاقات وما تراءى له فيها من شيم المروءة والشهامة والأخوّة ، ليتبينها سراباً ، وقد كانت صداقة من طرف واحد ، تهاوت رمالها على شاطئ الحقيقة أمام أول موجة هادئة وقد أفلتت من تيار المصالح الجارف .
وحتى هذه اللحظة لا زال الكثيرون في مرحلة الانعطاف ، حتى وهم ينتظرون أسعد غاياتهم ، فالزواج ، وانتظار مولود جديد ، والبدء في وظيفة جديدة ، واللقاء بصديق جديد هي أيضاً منعطفات لا تخلُ من بعض المعاناة ، لكنّ الأمل بجمال القادم هو ما يُعين على تجاوز المنعطف ، وتذوّق حلاوة الإنجاز بإذن الله تعالى .
Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com


Post A Comment: