مذهلة سورة آل عمران بثرائها المعرفي، وغزارة الموضوعات الهامة التي تتناولها في كل آية من آياتها الكريمات.
نضع بين أيديكم ضمن هذه السلسلة احد أبرز نجومها الساطعة، وهي قوله تعالى في الآية (١١٠) : ( كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهُمُ الفاسقون ).
مثلت الآية مادة جدل معرفي وعقائدي وتفسيري وتاريخي كبير، وكانت موضع اختلاف، بل وحتى خلاف، إذ يدور الجدل حول جملة من المفاهيم والقضايا التي تعرضت لها الآية، وفي مقدمتها الفعل (كنتم)، فهل استخدم في هذه الاية بدلالته المعهودة على أنه يشير إلى الزمن الماضي، الأمر الذي يعني ان هذه الكرامة لم تعد موجودة بل كانت من الماضي، والآية تخبر عنها، ومع هذا التسليم بكون الكلمة تتضمن مدلول الماضي، فمتى كان هذا (كون) بالضبط وفي اي مرحلة من مراحل الأمة، هل هو اشارة الى بداية الدعوة أم الى زمن ما قبل نزول الاية خلال الدعوة أم الى زمن ما قبل البعثة، وهكذا يدور الجدل حول تحديد الزمن المشار إليه في (كنتم)، وفي المقابل، يقف الرأي الثاني، والذي يذهب الى ان الكلمة لا تشير الى أحد أزمنة الماضي المعينة،  بل إن هذا الكون اشارة مبهمة جاءت بمعنى (وجدتم)، وقد استعمل القرآن هذا اللفظ مجرد من الزمان عند اسناده الى الله جل وعلا في ايات كثيرة من مثل (كان الله، وكان الله...)، ومما لا جدال فيه، ان الله جل وعلا لا يصح وصفه بالماضي او الحاضر، وكونه سابق على كل كون، لذا فإن الفعل استعمل للدلالة على معنى آخر غير الإشارة إلى الماضي، وكذلك الحال في الآية محل النقاش. 

الموضع الآخر الذي كان اكثر جدلاً في الآية، هو كلمة (أمة)، فقد رآها البعض شاملة في سعتها لكل ابناء الامة الاسلامية، أخيارها وأشرارها، وضيقها بعض ليجعلها خاصة بالمؤمنين الحقيقيين فقط دون غيرهم من أفراد الأمة وهم الصفوة، وحددها جماعة عبر رواية في اسباب النزول بمجموعة من الاصحاب، إذ ورد أن الآية نزلت في حق جماعة سخر منهم جمع من اهل الكتاب، ويراها آخرون انها مختصة بآل بيت النبي (ص) وإنها وإن صح إستعمالها بمراتب دانية على باقي أفراد الأمة ممن يلتزمون بشرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله إلا أن سنام ورأس الهرم والمدلول الحقيقي لكلمة (خير أمة) منحصر في أهل البيت (ع)، وهذا الإنحصار لم يأت من باب الحبوة والعلاقة وإنما من باب المكافئة لدرجة وعظم وخطورة مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي يضطلعون به، وعلو الإيمان والتسليم والإخلاص التي يتسمون بها، وقال بعض انها تصح حتى على فرد واحد، فقد سمى القرآن نبي الله ابراهيم (ع) بالأمة، كما ذهب رأي شاذ الى ان الآية طالها التحريف وأصل الكلمة هي (أئمة) وليست (أمة)، وقد تم تحريفها.

جدل آخر حول نوع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر المذكور فيها، فهل يشمل مطلق الامر، وإن اي ممارسة له يدخل الانسان في دائرة (خير أمة)، ويجعله مشمولاً بها، كما أن هناك جدلاً آخراً حول سبب تأخير الايمان بالله على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في سياق الآية مع ان الايمان هو منبع الامر بالمعروف، وشروط ضروري لقبوله، فلا بد لمن يمارس الأمر بالمعروف ان يكون بنية القربة الى الله جل وعلا، وهذه لا تصح من دون الإيمان بالله، ثم جدل آخر حول سبب ذكر أهل الكتاب في سياق الاية، والذي قد يظهر غريباً عن طبيعة الموضوع الرئيس للآية، بحيث تحول سياقها ليتحدث عن المؤمنين منهم، وعن الخسارة المترتبة على عدم الإيمان، وحكم الأكثرية.
إنَّ قيمة كلّ أمّة بالنسبة إلى الأمم الأخرى، هي في المبادئ التي تؤمن بها وفي الدور الكبير الذي تقوم به في حياة النَّاس، وعلى هذا الأساس، جاءت هذه الآية لتؤكّد أفضلية الأمّة الإسلامية على سائر الأمم، لا من خلال الجانب الذاتي الذي يقوم على تفضيل شعبٍ على شعب لصفاته الذاتية، أو لامتيازات غيبية خاصّة كما هو شأن اليهود في اعتقادهم بأنَّهم شعب اللّه المختار، بل من خلال الدور الذي أنيط بها في تغيير الواقع الفاسد بكلّ الوسائل الممكنة، سواء كان ذلك بالإقناع القائم على أساس المحبة، أو بالقوّة التي تحطّم الحواجز التي يقيمها الآخرون أمام حرية الإسلام في الدعوة، أو التي تواجه التمرّد المنحرف الذي يقوم به الأفراد في المجتمعات الإسلامية، فهي أمّة قائدة لمجتمعها ومجتمعات الآخرين من حيث الدور الذي أنيط بها، بينما كانت الرسالات الأخرى، في مـا حدّثنا القرآن عنه من حديث الأنبياء، تعمل على أساس التغيير بالموعظة والكلمة الطيبة والأساليب الهادئة ما يجعل منها رسالة دعوة مجرّدة، تماماً كما هي الآيـة الكريـمة: (وكذلك جعلناكم أمَّةً وسطاً لتكونوا شهداء على النَّاس) (البقرة:143)؛ وإذا كانت قيمة الأمّة من حيث الدور لا من حيث الذات، فإنَّ الحكم على واقعها العملي تابع لقيامها بهذا الدور، ولكن ذلك لا يمنع من بقاء هذه الصفة من حيث الخطّ الذي وُضع لها.
أما الحديث عن أهل الكتاب فينطلق من انحرافهم عن الخطّ الإلهي في أكثر نماذجهم، ما يفقدهم الدور الكبير الذي يتخيلونه لأنفسهم، بينما لو كانوا منسجمين مع خطّ الإيمان بالرسول والرسالة، لكانوا جزءاً من هـذه الأمّة القائدة التي أوكل اللّه إليها هذا الـدور، و (لكان) ذلك (خيراً لهم) في الدُّنيا والآخرة، ولكن القليليـن (منهم المؤمنون)، بينما ركبت الكثرة الكاثرة رؤوسها واختارت جانب الفسق والضلال (وأكثرهم الفاسقون).

لا تزال الآية تفرض نفسها على الساحة لتدعو المسلمين إلى أن يرتفعوا إلى هذا المستوى من خلال انسجامهم مع خطّ الإيمان وقيامهم بهذا الدور، ولكن الواقع الإسلامي في أكثر نماذجه قد ابتعد عن ذلك بالسير مع الدعوات القومية والعنصرية والإقليمية، وغيرها من الاتجاهات المنحرفة عن خطّ الإسلام، ما جعل الفكرة المطروحة في الساحة هي رفض الإسلام كأساس للشخصية، وكنظام للحياة ومنطلق للحركة، والاكتفاء به كإطار للعبادات والأخلاقيات العامّة التي لا تُلامس الحياة إلاَّ من بعيد، وبذلك فقدت الأمّة دورها الرائد بابتعادها عن شخصيتها الحقيقية وخطّها الأصيل.

إنَّ الآية تؤكّد على جانب الخطّ إلى جانب الحركة؛ فلا قيمة للحركة بدون القاعدة؛ كما أنَّ القاعدة لا تمثِّل مركز قوّة إذا لـم تتحرك في اتجاه تحريك الساحة من حولها على أساس المفاهيم الأساسية للفكر والعمل.

ختاماً: إن العلوية التي أعطيت للأمة بوصفها خير أمة (مهما كانت دائرة سعة انطباقها) لم تكن علوية شخصية، ولا تمييزاً عرقياً على الاعراق الأخرى، بل هي علوية مشروطة بالعمل والدور، والذي حددته الآية بشكل صريح وواضح، والمتمثل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المشروط بنية الإيمان الخالص لله جلا وعلا، وليس إتيانه من أجل السمعة والرياء أو الغلبة والسلطنة، ولا يقوم على اساس الاجتهادات الشخصية، والمواقف الذاتية، بل ينبغي ان يكون محكوماً بشروط الشريعة الحقة، فمقام الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من اعظم المقامات، وقد ارتبطت حياة كل الشهداء به، وكان ولا يزال سر ديمومة قدرة الحياة على التصحيح والوصول الى الافضل والاحسن. 

إن خطاب الاية واضح بما لا يعتريه لبس او تأويل، يقطع الطريق أمام التهريج والزعيق، ويسقط كل الادعاءات امام اختبار واضح وصريح، فمن يريد أن ينخرط في زمرة خير أمة، عليه ان يخرج من دائرة ومحيط أمة السوء التي تشيع الفساد والسرقة، والانحراف عن القيم، وتهتضم حقوق الناس، وتنشر الظلم، وتبيح العدوان، وترهب الناس، وتستحوذ على حقوقهم، وتفرض الارادات الباطلة، وتتستر بالدين والاخلاق والقيم، ....الخ من الرزائل الواضحة والصريحة، فليس بين الله وبين أحد قرابة إلا قرابة التقوى.






Share To: