يبرر التيار المحافظ في الثقافة العربية موقفه، الاحترازي بل والاحتراسي لدى الطرف الأكثر تطرفا فيه، من الأدب وسردياته وأوصافه، كونه يشكل حالة مصادمة للمعطى الثقافي العربي القائم على الاخلاق، في رؤية متجمدة ومتزمة للاخلاق بوصفها ثاتب في البنية الثقافية العربية، لذا ظل الرصيد الجمالي للمجتمع العربي متخلفا في الوعي والممارسة وحضرت بالتالي وبقوة كل معوقات التطور في الفكر، الفن، الساسة وفي المعرفة بالحياة عموما على صعيد الفرد كما الجماعة.

ولقد ظل في هذا الخصوص الفيلسوف الراحل عبد الوهاب المسيري، يشتغل على هذا الثقب المهول في سماء الثقافة العربية، برد أسبابه لخصوصية العقل العربي التي تشكلت وفق تراكمات السنين والقرون على الاخلاق بشكل مبالغ فيه، ينأى حتى عن حقيقة النصوص المرجعية ونقاصدها الكبرى التي تشكل على ضوئها هذا العقل.

ففي القصص القرآني، نرى أن جل الاشكالات المطروحة اليوم بشأن حضور الجسد ومتاعه وتداعياته في الحكي حاضرا بقوة، منسجما مع الموقف القرآني من الطبيعة البشرية وخاصية تافعلها وفق الأطر الأخلاقية الفطرية التي تقاوم على أساس تصارعية الخير والشر، من دون إسقاط ملائكي أو شيطاني مسبق على الاطبيعة البشرية للانسان بحسبان هذا الأخير وجودا ومعنى “موقف” أولا وأخيرا.

فالجسد لغة في المروي القرآني يحضر في الغواية كما في السمو، كونه تفعيل مادي للاداة المحورية الواعية بالوجود وهي الروح، وحين يدق جرسه في هذا المتن القرآني عبر كل المحافل، لا نكاد نرى له (الجسد) تأثيرا خاصا خلافا  للتأثير للموقف الذي تتخذه الروح.

ففي مسرح حواري  السجود الكبرى وما تلاها من انبثاء الصراع بين آدم والشيطان، تنتهي الفصول بظهور العورة، وسعي الزوج (آدم وحواء) لمواراتها بورق الجنة يخصفان به عليهما، والمتلقي للنص القرآني لا يكاد يهتز في هذا المشهد لشيء غير الموقف رغم الرنين القوي لتعابير الجسد العاري في الصورة التي ترسل بها اللغة لكنه (الجسد) لا يكاد يقوى على الرسوخ في شريط التلقي أكثر من رسوخ الموقف.

هكذا يتحقق في المسرود القرآني العبور ساحر لمعنى المشهد الصاخب للجسد من خلال جسر لغة فنية راقية حاملة لصور واقعية إنسانية تنأى عن المس بالنسق الاخلاقي ومن دون أملكة (من الملائكية)  للانسان، وهذا يتجلى بخاصة في واقعة الغواية اليوسفية، التي هي قمة هذا العبور الباهر والساحر فيما بين المقدس والمدنس الشر والخير عبر اللغة.

تتجلى الفتنة في المرأى النسوة الصادم، لحسن وجه وجسد يوسف عبر إشارة تقطيع الأيدي كعلامة انهيار تام للمعقولية، حيث تنقلب ملامتهن لامرأة العزيز وعتابهن لها على مراودتها لفتاها، إلى شخص النبي يوسف لاستعصامه ورفضه لطلب سيدته، فترى الأخلاق والقيم متدحجرة من أعلاها إلى أدناها تحت تأثر التصوير الفني اللغوي القرآني البديع، الذي يدمج المحتوى الغيبي “العناية الربانية” (وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) بالواقع الدنيوي الغواية” (ولقد همت به وهمَّ بها لولا..) في سياق واضح تظهر فيه معادلة الاخلاق وتفاعلها بعنصر الجمال والفتنة، ولا يكاد المتلقي في استيعابه للنص يتجاوز حد المشهد رغم صخبه الذي يوضحه عنف المطاردة والمراودة وعملية قد القميص من دَبر.

من هنا يتضح أن المعضلة الحاصلة في الوعي الجمالي والفني لدى المحافظين في الثقافة العربية الاسلامية حيال الجسد بوصفه الأداة المجسمة لحركة الوعي الانساني في التاريخ سواء أكان أنثويا (حواء في الجنة، امرأة العزيز في غرفة المراودة بالقصر) ليست تكمن في غير ذلك الفهم الخاطئ لعنصر الاخلاق الذي أريد للعقل والخيال أن يلبسه ولا يكاد يستسيغه، كونه فهما ينزع عن الخصوصية البشرية وهو لا يتحقق في غير إطار ملائكي ستحيل بطبعه هنا على الأرض.

الغريب في شأن تعامل التيار المحافظ في الثقافة الاسلامية مع النص القرآني، هو أن يسعى إلى الذهاب بلغته بعيدا في مجال التأويل أو التقويل حتى في بحر العلوم التجريبية، وهذا من خلال تلك الاسقاطات المعتسفة للآيات على ظواهر والاكتشفات النظرية والتطبيقية العلمية لتأكيد صحة ومنطوق العقيدة، فيما أصطلح عليه بـ”الاعجاز العلمي في القرآن” في حين يظل مستريبا في التعاطي مع ذات النص وهو يروي ويصور حركة الانسان التاريخية بدنسها وقدسيتها عبر معادلة الروح والجسد، وما يحركهما من خير وشر، في الاطار البشري المحض، وذلك مخافة المس بالاخلاق والتوصيات القرآنية.

الخلاصة هي أنه بابتداع الذرع الاخلاقي الوقي، حُرمت  الثقافة العربية الاسلامية كثيرا من أهم عنصر في صناعة التاريخ اليوم وهو الخيال، ولعل الاخفاقات الكبرى التي حالت دون الارتقاء إلى مستوى فهم التاريخ وبالتالي سقوط كل مشاريع النماء المادي كما الروحي للمجتمعات العربية والاسلامية إنما يتأتى من هزالة الخيال الفني والتحفظ عليه واحكام وثاقه في مراتع التعبير والابداع تحت ذريعة العناية بالمرجعية الاخلاقية، في الوقت الذي يظهر النص القرآني ماسحا كاسحا لكل الطابوهات المتصلة بالعاطفة، الغريزة والجسد، التي لا ندري كيف تشكلت فيما بعد إكتمال الوحي ونزلت منزلته أو أكثر وأعاقت بالتالي العقل العربي فنيا على الارتقاء بحجة الاتقاء   !







Share To: