(يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ; إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ )... وقوله تعالى (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ;فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) والتقصي يعني المراقبة الاستخبارية من خلال مصدر موثوق ، وكذا في قوله تعالى (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ). مايهمنا ايضاحه هنا هو ان الامان شعور انساني وهو نعمة من الباري تعالى ولكن ديمومتها لاتتم الا من خلال الحفاظ عليها من الساعين لترويع المجتمعات وهم الاعداء.
عند قراءة كتاب تاريخ المخابرات الإسلامية عبر العصور للكاتب كرم حلمي فرحات , يقول المؤلف إن ما دفعه لكتابة هذا الكتاب هو الأهمية البارزة لاستخدام رجال المخابرات في مجال أمن البلاد , فوجد أن أعمالهم كانت موجودة مع الإنسان منذ القدم ولكنها أصبحت في العصور الإسلامية أكثر استخداماً وتركيزاً وتطوراً, فحاول المؤلف أن يبين من خلال الكتاب مدى أهمية موضوع المخابرات بالنسبة للعصر الأموي وعصر الخلفاء الراشدين بشيء من التفصيل والإسهاب بأسلوب ممتع وسهل و سلس.
“ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعةُ نفرٍ لا يكون على بابي أعفُّ منهم..، هم أركان المُلك ولا يصلح المُلك إلا بهم..: أما أحدهم فقاضٍ ( وزير العدل) لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخَر صاحبُ شرطة (وزير الداخلية) ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خَرَاج ( وزير المالية) يستقصي ولا يظلم الرعية..، والرابع صاحبُ بريد ( مدير مخابرات) يكتب بخبر هؤلاء على الصحة”!! ... هذا قول عزاه الطبري (ت 310هـ/922م) إلى المؤسس الحقيقي للدولة العباسية الخليفة أبو جعفر المنصور (ت 158هـ775م).
كان من الضروري أن تخوض أى دولة في دروب ممالك الظلمات الاستخبارية، وبتتبع تاريخ جهاز الاستخبارات يجد الباحث تراث تراكمي في الخبرات والممارسات. فهل كان لمصر الفرعونيه جهاز مخابرات؟ وهل عرفت الدولة الاسلامية الاستخبارات؟ وهل ورد بالقرأن والسير النبوية ما يدل على ذلك؟
إذا حاولنا تحديد المهمات التي كان جهاز “ديوان الخبر” يؤديها طوال القرون؛ فسنجدها أساسا واقعةً في أربعة اتجاهات: الأول: متابعة الأخبار المهمّة والأحوال العامة لأقاليم الدولة؛ الثاني: جمع الأخبار عن العدوّ الخارجيّ الثالث: مراقبة كبار الموظفين لضمان استقامتهم والتأكد من صحة ولائهم؛ الرابع: ملاحقة المعارضين والمنتقدين والمحتجين والثائرين المحتملين.
ويشير د.جلال نعمان- رئيس لجنة الآثار السابق برئاسة الجمهورية- إلى أن أول ما ورد عن تاريخ المخابرات يرجع لعصور الفرعون حور عحا إبن الملك نعارمر مينا وثانى ملوك الفراعين منذ 5200 سنة من الآن، عندما ظهرت بوادر قلاقل على الحدود الجنوبية من مصر ، خلال عصر متوتر من تاريخ مصر ما سمى بعصر الهكسوس، فكانت حدود مصر الشرقية مستباحة وتعيش فيها أقوام ملأت بالحقد على مصر من عصر الفرعون سقنن رع، حيث كانت هناك إشارات بأن هناك من الجواسيس من يسترقوا الأسرار ويبلغونها لحاكم الهكسوس فى شرق الدلتا، وما جاء على لسان فرعون مصر بأن بنى إسرائيل الذين تواجدوا بشرق الدلتا كانوا يقومون بالتجسس فحض سقنن رع على ضربهم وتمكنت مصر بفضل حكامها الوطنيين- سقنن رع وابنيه كامس وأحمس الأول- من تحرير مصر من الهكسوس. أهم الرموز المقدسة التي تبنتها المخابرات المصرية والمرتبطة بأسرار الحضارة المصرية: عين الصقر حورس، الخرطوشة الملكية، زهرة اللوتس.
الاستخبارات الاسلامية
في المرحلة المكية؛ نجد أن “الحكم بن أبي العاص كان يتجسس على النبي صلى الله عليه وسلم، وينقل أخباره إلى الكفار”؛ كما يروي سبط ابن الجوزي (ت 654هـ/1256م) في ‘مرآة الزمان‘. وحين هاجر المسلمون إلى المدينة تعاظم الاستهداف بانضمام يهودها إلى قريش وحلفائها في التخابر عليهم. ومن صور ذلك ما ذكره البُلاذري (ت 279هـ/892م) -في ‘أنساب الأشراف‘- أنّ “مالكًا بن أبي قَوْقَل كان متعوِّذًا ( متظاهرًا) بالإسلام، ينقل أخبار النبي صلى الله عليه وسلم إلى يهود”! ومن جراء هذه الأنشطة التجسسية الخطيرة دفع المسلمون ثمنًا غاليًا للاختراق الأمنيّ.
وفي المقابل؛ كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- عيونه الذين يخترقون صفوف أعدائه فيأتونه بأخبارهم مفصّلة؛ ففي صحيح البخاريّ أنه -صلى الله عليه وسلم- أحرم مرة لأداء عمرة “وبعث عينًا له من قبيلة خُزاعة” يتحسس له أخبار الطريق. ولعلّ من أروع أنشطة المسلمين التجسسية على الأعداء ما نقلته كتب التاريخ من قصص اختراقهم الأمني العميق والنوعي للممالك الصليبية على ساحل الشام.
وجاء في وصية الخليفة أبي بكر الصديق لقائده العسكري يزيد بن أبي سفيان (ت 18هـ/629م): “وإذا قدم عليك رُسُل عدوّك فأحسن نُـزُلَهم فإنه أول خيرك إليهم، ولا تـُطِلْ مُقامَهم عندك لئلا يطلعوا على عورات المسلمين، واحفظ سرك لئلا يخرج أمرك..، واستر الأخبار في عسكرك، وأذْكِ ( نشِّط) العيون والحرس” في معسكرك. وكذلك عمر بن الخطاب (ت 23هـ/645م) الذي أرسل إلى معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ/680م) يأمره بالاهتمام بسواحل الشام و”إقامة الحرس على مناظرها واتخاذ المواقيد لها”؛ وفقا للبلاذري في ‘فتوح البلدان‘. واشتُهر عنه أنه كان يخرج بالليل “يحرس الناس”؛ كما ذكر ابن شبّة (ت 262هـ/876م) في ‘تاريخ المدينة‘.
بيد أن “الأجهزة الأمنيّة” لم تُعرف بشكلها “المؤسسي” إلا في الدولة الأموية، قياسا على ما ذكره ابن حجر (ت 852هـ/1448م) عن نشأة جهاز الشرطة، فقد قال -في ‘فتح الباري‘- إن “‘صاحب الشرطة‘ (مدير الشرطة) لم يكن موجودا في العهد النبوي عند أحد من العمال، وإنما حدث في دولة بني أمية”.
كما يبدو أن تسمية “صاحب الخبر” انفصلت فنيا -منذ القرن الهجري الرابع تقريبا- عن وظيفة “صاحب البريد”، وإن ظل الأخير مسؤولا عن المساعدة في توصيل الأخبار بحكم امتلاكه وسائل النقل المعتمدة، لكن مسؤولية جمع الأخبار وإدارة عناصر الاستخبارات صارت اختصاصا لـ”صاحب الخبر” وحده.
تعاظمت أهمية “ديوان الخبر” وترسخت تقاليد مؤسسته الاستخباراتية في أيام العباسيين الذين أطاحوا بالأمويين عبر ثورة مسلحة عاتية.وانطلاقا من ذلك؛ اعتنى العباسيون بتوفير الموارد الكفيلة بدعم مؤسسة الاستخبارات لتؤدي عملها على أكمل وجه في دولة مترامية تمتد من الصين إلى المغرب.
وكان الحُكّام يختارون لوظيفة “صاحب الخبر” -وهو مدير المخابرات العامة-رجالاً من أهل الثقة والثقافة والنباهة نظرا لمكانتهم الرفيعة بدوائر صناعة القرار.
ولذا نجد من بين الذين تولوا هذا المنصب علماء وأدباء مشاهير، بل وأحيانًا كانوا يجعلونه وراثةً في عوائلهم طلبا لاستقرار عمل هذا الجهاز الحساس لأمن الدولة والمجتمع. ومن هؤلاء المشاهير الأديب الحريري (ت 516هـ/1122م). ومن دلائل أهميّة هذا المنصب ترقيةُ بعض مديريه إلى منصب رئاسة الوزارة.
ويُحكى أن السلطان ألب أرسلان قال لنظام الملك: “لا حاجة بنا إلى صاحب خبر، فإن الدنيا لا تخلو كل بلد فيها من أصدقاء لنا وأعداء؛ فإذا نقل إلينا صاحب الخبر -وكان له غَرَضٌ (مصلحة شخصية)- أخرج الصديقَ في صورة العدو، والعدوَّ في صورة الصديق. فأسقط السلطانُ هذا الرسم لأجل ما وقع له من الوهم، فلم يشعر إلا بظهور القوم ( الحشاشون) وقد استحكمت قواعدهم”. والغريب في الأمر أن نظام الملك هذا عقد فصلا لطيفا في كتابه ‘سياست نامه‘ عن أهمية جهاز الاستخبارات ودوره في استقرار الدول! التتار وفى الدولةَ العباسية سنة 656هـ/1258م؛ كان الخليفةُ الظاهر (ت 623هـ/1226م) يرفض الاطلاع على التقارير الأمنية السرية التي تُرفع إليه، “فلما مات وجدوا.. في داره ألوف رقاع ( تقارير أمنية) كلها مختومة لم يفتحها، فقيل له أن يفتحها فقال: لا حاجة لنا فيها، كلها سعايات”! وفقا للذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘.
وها هو المؤرخ أبو شامة المقدسي (ت 665هـ/1267م) يروي لنا قصة تجنيد مخابرات صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ /1193م) لامرأة صليبية مرموقة هي زوجة ملك أنطاكية. ففي سبيل الحصول على معلومات خطيرة من مصدر صليبي رفيع المستوى؛ لم يتحرج هذا السلطان -المعروف بتدينه العميق- من تجنيد امرأة صليبية، بل نجده يبذل لها في سبيل ذلك الهدايا النفيسة، ويكرمها بإطلاق الأسرى من عائلتها طلبا لاستمرار مساعدتها الاستخباراتية لدولته. وهكذا كان حفيده ملك دمشق المعظَّم عيسى الأيوبي (ت 624هـ/1227م) -وقد كان فقيها على المذهب الحنفي- يكرر الأسلوب ذاته في تجنيد النساء الصليبيات. وفي سبيل استخدام كل طاقات المجتمع -مهما بدت منبوذة- لتحرير الأوطان؛ رأينا صلاح الدين يجنّد عصابات اللصوص في مخابراته الحربية، موظفا “شطارتهم” وجسارتهم لمحاربة الصليبيين. ولذلك يقول مؤرخ سيرته القاضي ابن شداد (ت 632هـ/1235م) -في ‘النوادر السلطانية‘- إنه جنّد. ثلاثمئة لص من شلوح العرب، فكانوا يدخلون معسكرات الصليبيين ويسرقون منهم أموالَهم وخيولهم، ويسرقون الرجال أحيانا” باختطافهم -وهم نائمون- تحت تهديد السلاح، فيأتون بهم أسرى إلى معسكر المسلمين!!
ومن عجبٍ أن الحكام كانوا يرتبون مُخبراً أمنيا على الموظف، ثم يجعلون على هذا المخبر مخبرا آخر، ثم مخبرا ثالثًا عليهما جميعًا، وهو أدق ما يمكن تصوره فيما يُعرف اليوم بـ”الاستخبارات الإدارية” لمكافحة الفساد. ولم يكن يسلم من هذه المراقبة أحد حتى وليُّ عهد الخليفة. ولم يقتصر التجنيد الاستخباري على الرجال والأطفال؛ بل شمل النساء أيضا. وكان المهدي اتخذ من إهداء الجواري لوزيره يعقوب بن داود وسيلة للتجسس على موظفيه، في سلوك أشبه ما يكون بإهداء أجهزة المخابرات اليوم الشخصياتِ التي تستهدفها أجهزةَ الهواتف والساعات الملغمة برقاقات التنصت للتجسس عليهم عن بُعد.
تعددت فروع الاستخبارات الإسلامية؛ فكان منها الفرع المدني المعروف بـ‘صاحب الخبر‘ عند الإطلاق، ومنها الفرع العسكري الذي كان يُدعى ‘صاحب خبر العسكر‘، وفي العهد الأيوبي والمملوكي أصبح يسمى ‘اليَزَك.
يعرض لنا المؤرخ الألماني وولفجانج كريغر تاريخ الأجهزة المخابراتية... وكيف تحولت مهنة التجسس من مجرد مهنة عادية الى جهاز بيروقراطي معقد لا غنى للدولة عنه...مستعرضا في ذلك اهم الشخصيات التاريخية التي أثرت في مجال هذا التحول الكبير لمهنة التجسس كالإنجليزي فرانسيس والسينغهام ( القرن السابع عشر) و الفرنسي جوزيف فوشيه ( خلال عصر نابليون). ويختم الكتاب بتطور النشاط المخابراتي مع ثورة التكنولوجيا والاتصالات الحديثة اي ظهور الإنترنت ويعرض لنا السيطرة الشاملة الكلية التامة لوكالة الأمن القومي الأمريكية والمخابرات المركزية الأمريكية على المعلومات التي تتحصل عليها من الإنترنت وبل وحريتها المطلقة في التجسس على الحسابات الشخصية لكل شخص في العالم تقريبا على وسائل التواصل الإجتماعي بفضل علاقة التعاون والتكامل اللامحدود بين هذه الأجهزة والشركات الأمريكية المهيمنة على شبكة الويب
وختاماً هناك جملة هامة و هى ( انهم لا يجب ان يعلموا اننا نعلم ما يعلمون اننا نعلمه) فالاستخابرات اولا و اخيرا هى فن جمع المعلومات و الاخبار ثم تنسيقها و تحليلها للخروج بالتصرف السليم فى سرية تامة و ليس كما تظهر فى افلام الجاسوسية من مطاردات و دماء و اطلاق الرصاص يمينا و يسارا. الذي لا يعرفه الملايين والملايين من المصريين .. أن ألوان علم مصر الحالية (الأحمر – الابيض – الأسود) والتي اختارتها القيادة السياسية والعسكرية عقب انتصار ثورة يوليو ، هي نفس ألوان علم مصر القديم ، كما في عهد الملك توت عنخ آمون ومن قبله من ملوك مصر العظام .

Post A Comment: