أكملتُ العام العاشر وجوديا فباركت السماء ، سمعتُ ضجيج هائل يحتفل بعيد ميلادي، أرتعش عَرش براءتي ، رأيتُ الطيارة في الهواء تجرُ ذيلها الأبيض حبلها الأبيض ، ظليتُ مُستقيم كرجلٍ آلي بدون حركة ؛ أو بالأصح كعمودِ إنارة ، كان الهواء بهياً كبهاء أول نظرة ، ما زلتُ أذكرُ اللحظة هذه بِكلِ تفاصيلها ؛ كنتُ ارتدي قميصاً كلونِ السماء أزرقا ، مليء بالتُراب تسكنه الثقوب من الخلف ومن الأمام ؛ خرقة فقيرة كقلبي ، أتمتم بعدةِ نبرات كحوار مع الذات ففضحتني اُمي من كانت ترعى بقرتها جوار الجِدار ، سمعت كل شيء، أتت نحوي، لَفت يديها حول رأسي ووضعت خيوط حُبها على صدري ، قادتني نحو الغُرفة القِبلية، هُناك أعترفتُ حدثتها بهواجسي دفعة دفعة وأنني وعلى وجه السرعة أريد منها الإجابات.
عن طول وعرضِ الطيارة سألتها ، عن مُحرِكها وكيف يستطيع إنسان مثلي قيادتها، وعن المادة التي تحترق في بطنها وعلى القوة والعبورِ نحو وجهتها ، سألتها عن كل صغيرة وكبيرة فاكرمتني بالإجابات السعيدة ؛ منذُ تاريخ الذكرى القديمة أحلمُ أن أرى الطيارة وهأنا وصلت ، نعم سأركب الطيارة ، الحُلم بات حقيقة ، البارحة شريتُ أداة جميلة كفرحتي ، سأطحبها معي وسأهربُ من التفتيش في المطار خوفاً لا يسلبوه مني والأداة مِتراً كمترِ فناني الإعمار ، سأقيسُ طولها وعرضها والأجنحة، مُتلهفٌ أنا لزيارة المطبح ذاك من تفوهت به أمي حين سألتها من الذي يكرمَ الطيور المُهجارة بالغذاء ؛ نعم لا أخفيكم أنني وضعتُ عدة أصناف في جيب قميصي ، سأطهيهم في القُربِ من الزاوية الجنوبية للغلافِ القهري، سأفتحُ ثُقب صغير من المطبح وسأتسلل إلى ما بعد الطبقة الاختناقية، سأغرفُ كثيراً من الاختناق ، سأعود سريعا وسأتفنن بطهي مائدة قضائية ، وحين تُطلَق صافرة انذار تثبت نضج الطعام سأوزعه على كثيرٍ من الصحون بالتساوي ؛رويداً رويدا سأقربُ نحو السائق ، سأجبره أن لا يتوجه نحو الهبوط ؛ سأطوفُ كل شبرٍ من هذه البُقعة بحثاً عن الطُغاة ؛ من كانوا سبباً بتشردنا ومُهاجرتنا من جوار حبيباتنا مُبلليين بدموع الُفراق ، سأقدِمُ صحن مليء بالإنتقام لكل مجرم سحق أحلامنا، وسأكتبُ تحت الأداة الأداة الحاضنة للطعام هذه المائدة من الجنة ، ليست مشكلة سأتقمصُ دور مُسيلمة الكذاب لكي تنجح العملية ، كي أنتصر للمسحوقين الغلابى ، سأنهي القُبح لأجل أن تعيش الأرض بِطربٍ ورقصٍ وسلام
حدثتني بأن الطيارة مليئة بالنادلات ، من يقدمنَ لكَ الغذاء والماء والحلويات . الآن قلبي يردد ـ هل يُعقل بأن الطيارة تحتضن فاتنات جميلات ؛ بشوشات ضاحكات ومن الزهور مخلوقات ، يرد فمي قائلاً : نعم يا مولاي يُعقل فالأم لا تكذب حتى لو رددت جُملة : الطيارة لديها خط على مشارف الفردوس سأهزُ لها جذع قلبي مؤمنا بأقوالها، أنا مُتلهف جداً يا اُمي ، سأعتلي كوكب الأرض، سأرى أشياء غريبة جداً، سأخترق السُفن البيضاء وسأطحب في جيب قلبي عدة مطارق من حديد، سأضرب السُحب المحملة بالغيثِ وبدون رحمة كي ترتوي الحقول ويخضر الزرع ،الحقول تلك من تصرخ نتيجة ارتفاع درجة الحرارة والغياب المطول للقطرات ؛ سأنقذ الزرع من الذبول فالحياة تليق به كثيراً، ستمتليء البَرِك وستعود العيون الجبلية تلك من نزفت لحياتها الطبيعية كما كانت سابقا ، سأركب الطيارة يا طفلة قلبي؛ سأسكبُ حُبي وطاعتي نحوكِ زمزما، وسأرجمُ المُفلسين بحصوات من سجيل ، سأغني يا اُمي سأغني في مقعدي ؛ سأرددك قصائد واُغنيات احتفاءً بيومِ الاُغنية اليمنية يا اُغنيتي الطرية ، وقبل أن توشك على الهبوط سأصرخُ والله أنني ركبتُ الطيارة وحققتُ حلم الطفولة والبراءة ؛ سأصرخُ حتى تسمعني طِفلتي والحبيبة .
ـ أخيراً سأركب الطيارة ـ
وثيق القاضي.
30-6-2021

Post A Comment: