أكثر الناس طيبة هم أكثرهم عرضة للألم دون غيرهم قول صادق لكن لماذا يتألم الطيبون؟ هو سؤال لا نستطيع تخمين الإجابة عليه بدقة ما دام ميدان المعرفة الاجتماعية يتميز بطابعه النسبي لكن قد نبدأ البحث عن الإجابة حين نربط هذا الأخير بسؤال قراءة أذهان الآخرين؛ فإذا نجحنا في قراءة أذهان هؤلاء، استطعنا فهم سبب آلامهم بل ومقدار الألم بداخلهم...

لكن يبدو السبب المباشر لألمهم هو طبيعتهم الطيبة فهم أشخاص يتميزون عن غيرهم في الصفات الخلقية دون غيرهم، تلك الصفات التي تجعل منهم أشخاص متميزون بطابعهم الخلقي الذي يملي عليهم قواعد التصرف الأخلاقي في علاقتهم مع الغير وفقا للقواعد الأخلاقية التي تراعي مشاعر الغير وعواطفه، أخلاقه... هم أشخاص يعاملون الشخص الكامن في ذاتهم باحترام كبير وهو ما يجعلهم ينفتحون على الغير وهذا ما يجعلهم مؤهلين لقبول الغير كصديق لهم يبادلونه نفس قيم المودة والحب والاحترام ويتحلون بالصدق في عواطفهم ومشاعرهم اتجاه الآخرين، فالصدق صفة الإنسان الطيب فهو صادق مع ذاته بل يطور هذه الخاصية ليجعل منها قاعدة تحكم علاقته بالغير سواء كان الغير قريبا أم بعيدا.

غالبا ما نجد الأشخاص الطيبون يتحلون بنكران الذات فهم أشخاص تحكمهم الغيرية؛ يملون لحب الخير للغير بل والحرص على إسعاد الآخرين خاصة ممن هم يحيطون بهم؛ فتجد هؤلاء شديدي الحرص على جعل علاقتهم بالغير علاقة مثالية ذات طابع أخلاقي خالص وفي هذا تخلي الذات عن نرجسيتها في سبيل سعادة الآخرين، ولا يحصل ذلك إلا من خلال التعاطف ومشاركة الغير عواطفهم، أحلامهم، أفراحكم وأحزانهم.

إن الأشخاص الطيبون هم اشخاص على قدر كبير من التواصل مع الغير بل هم أكثر نجاحا في عملية التواصل فهم قادرون على خلق شبكة تواصلية على مستوى واسع بل إنهم يمتلكون شخصية ميكيافللية تواصلية تسعى من خلالها الذات إلى تمرير قيمها الأخلاقية للغير والحرص على المحافظة عليها؛ غير أن هذه الشخصية الطيبة هي أكثر عرضة للألم حين تصادف أشخاصا نرجسيون بطبيعتهم، وتلك النرجسية هي التي تولد لديهم ألما وفيرا لكن الطيبون لا يبادلونهم القبح بالقبح بل تجدهم يميلون إلى الصمت فيتجرعون الألم في وحدتهم دون أن يشعر الغير بذلك؛ فالصمت هو وتر الحكمة وعين العقل لديهم، وتلك المهارة تجعل منهم قادرين على التحكم في عواطفهم اتجاه الآخرين...

ابراهيم السهلي أستاذ الفلسفة وباحث في علم الإجتماع المغرب.. 






Share To: