قد تبقى في أغلب الأحيان رهيناً لهذا الكتاب أو ذاك ، فتدور في فلكِهِ طائعاً منقاداً ولا تملك من نفسك إلاّ الإنحيازَ له ، والطّوافَ في مداراتِه ، وكأنّك تنتقل من فضاءٍ جميلٍ الى فضاءٍ أجمل بعد أن وجدتَ فيه ضالتك ، ورويتَ منهُ ظمأك  . ومن المسلّم به أنّ مَـنْ يقفُ وراء ذلك هو المؤلف الذي أتقن صنعته ، وجهّـز لهذا الأمـر عدّته . حيث يبدأ خطوته الأولى باختيار العنوان المناسب الذي يحدّد بهِ خارطة الطّـريق ، ويضعك على السّكّـة التي تؤدي بك الى آفاق الكتاب الفسيحةِ الواسعة ، لتقطفَ ثمارَهُ النّاضجة اليانعة .
ثمّ إنّ من أولويّات المؤلف هو ذكاؤه في اختيار الموضوع الذي يغـريك بثـراءِ وكمال مادتِه ، وسلامةِ وصوابِ منهجِه ، فيُغنيكَ عطاؤه ، ويُندي ذاكـرتك سخاؤه . وبهذا وذاك يجعل من كتابِهِ منهلاً عذباً للشّاربين ، وواحةً غنّاء تهفو اليها نفوسُ الطّامعين . 
وممّا يـزيدك انبهاراً أيضاً هو أنّ المؤلف الحاذق يجعلُ من موضوعِهِ الواحدِ فضاءاتٍ متعدّدة ، وعناوينَ متنوعة ، وكأنّه نشـر مجسّاته على صفحاتِ الكتابِ لتـرصدَ حالةَ المللِ لدى القاريء ، فينتقل به الى فضاءٍ جديدٍ وزاويةٍ جديدةٍ تغيّـرُ على القاريء أجواءَهُ وتعيدُ اليه نشاطَه . وهذا ما يُحسد عليه المؤلف الذي جعل من كتابه رغم ضخامتِه ، أشبهَ بديوانِ شعـرٍ لشاعـرٍ فحلٍ ، ينتقلُ بك من إيقاعٍ الى إيقاع ، ومن قافية الى قافية ، فيملك عليك نفسك وكلّ جوارحك . أو يأخذ بيدك لتعيشَ في عوالم روايةٍ ينتقل فيها الكاتب من شخصيّةٍ الى أخـرى ، ومن زاويةٍ الى أخـرى تختلف في موضوعها وتفاصيلها ، مع تـركِ نهاياتِها مفتوحةً لتُبقي حالةَ الشّـدّ بين القاريء والـرّواية فيتابعها بشغفٍ للوصول الى نتائجِها الأخيـرة . 
أمّا في ظلّ هذه الفوضى التي تسيـر بنا عكس عقارب السّاعة ، والتي تعطّل فيها دور الدّولة كـرقيبٍ وحارسٍ أمين ، فلـربما تعثـر فيها على كتابٍ معتبـرٍ لكاتبٍ متميّـزٍ تُشبعُ منه غـريـزتَك ، وتُـزيلُ به غشاوتَك ، ولكن تجد مقابل ذلك حشداً من الكتب التي لا تساوي قيمة الحبـر الذي كُتِبَت به . حيث تـرى أصنافاً من المؤلفين الذين لبسوا ثوباً ليس على مقاسِهم ، وادعوا ما ليس لهم فيه نصيب . فمنهم مَـنْ جعل من كتابه ساحةً لقتال أعدائِهِ المفتـرضين ، وبقي أسيـراً لأحلامِهِ الدّونكيشوتية حيث اعتقد أنّ بسيفِهِ الخشبي وحصانِهِ المتهالك  ( سيُهـزَمَ الجمعُ ويولّـونَ الدّبُـر ) . ومنهم مَـنْ ركبهُ الغـرور فجعل 
من نفسهِ منقذاً كسفينةِ نوحٍ مَـنْ ركبها نجا ، ومَـنْ تخلّف عنها غـرقَ وهـوى . وآخـر قد اتْخذ من الفضيلةِ شعارا ، ومنَ الحبِّ والجمالِ دثارا ، ولو وضعتَهُ تحت المجهـر فلا تـرى إلاّ خـربةً خاويةً على عـروشِها ، لا ماءٌ فيها ولا شجـر ، ولا طيـرٌ ولا بشـر .
وأخيـراً نقول إنّ هذه الظّاهـرة المستجدة ، هي إساءةٌ كبيـرةٌ للمشهد الثّقافي خاصةً بعد غياب الدّور الـرّقابي للدّولة ، وبسببِ حالةِ التّـرهّلِ في ضوابط وقواعد التّأليف التي كانت تحتـرمُ ذّائقةَ المجتمع ، وتُحـرّم على المكتبات مثل هذه البضاعةِ البائسةِ بمادتِها ، والمتّهمةِ بمقاصدِها ، والتي هي في أحسن أحوالِها كغيمةِ قائضٍ لا يُـرتجى منها رواء ، ولا تنبتُ من وِردها خضـراء . 
************************************************************************







Share To: