نعم لجأ إليها قبلهم جميعا وهو لا يدري لماذا، هل لأنه يحب العلم أم لأنه يكره الموت، صديقه كان دائما يؤنبه ويلومه كلما سأله هذا السؤال..

- أنت لا تحب ولا تكره ولكنك مهوس بالموضة البيضاء!

 ويضحك دوما من عبارة "الموضة البيضاء" 

اقتادته إحداهن داخل دهليز العيادة، وهي تبتسم في كل استدارة إليه وتداعب برؤوس أناملها الرقيقة أسفل مئزرها الأبيض الشفاف الذي ينتهي طوله قبل أن يصل إلى ركبتيها اللوزيتين، واستغرب كيف أنها مطمئنة لحاله وهو القادم ليستعلم متى سيأزم قلبه من المجسة الجديدة التي بالكاد طُرحت في الأسواق بعد شهور من الاشهار والاشعار على صحف والشاشات، داعبه عطرها الأخاذ واقتاد حواسه وهواجسه داخل ذلك الممر المظلم للعيادة حتى أنساه روائح الكحول والمعقمات وسكتت كل الأصوات إلا صوت دق كعبي حذائها العاليين يذكر أن أحدا قال له ذات مرة:

- يفترض أن يمنع الطب جامعاته ومعاهده مثل هاته الكعوب المزعجة للمرضى ويوصي بإلجامها !

وأجابه حينها باعتراض:

- وربما كانت جزء من دوائهم!

 فضحك..

فقرر سؤالها:

- لو تكرمت واخبرتني زيادة عن هذه المجسة..

- ألم تستعلم عنها بما يكفي! فلمَ قررت الخضوع لاختبارها؟ 

فضحكت بلطف عقبى سؤالها ذلك وضحك هو معها، لكنه أصر على سؤاله، ساعتها لم تجد بدا وهي تصل به إلى مدخل مصلحة الفحص، من أن تجيبه، بعد أن أوقفته قبالة الباب ناظرة مليا بوجهه واضعة بأصبع شهادتها الحاد بظفر طويل مطلي باللون الأحمر على صدره وتحديدا بموضع قلبه، حتى أحسس بكهرباء تدغدغه قائلة:

- هي مجسة تستطع أن تكشف عن الأزمة القلبية التي قد تصيبك بعد وقت طويل !

- كم يعني؟

- طويل !

- كم؟

نظرت إليه وهو كالطفل يسأل عن نهاية حدوثة من تلك التي أخذتهن معهن الجدات إلى مثواهن الأخير، تبسَّمت بثغر ملائكي صغير ، ثم اشارت إليه بالدخول وخلع ملابسي الفوقية، وقعت ورقة من جيب سترته الثقيلة وهي تحاول تعليقها على مشجب السترات، ومن دون أن تستدير نحوه، شعر بأنها تفتحها لتقرأها فانقبض قلبه قال في نفسه "ستكتشف المخطط وإن لم تسخر مني ستخبر به الجهات الأخرى فمن يدري"

أحس بانقباض في القلب، خشي أن يؤثر ذلك الانقباض على حساب المجسة الجديدة فتخطئ حساب السكتة التي ستصيبه، لا يدري كيف سمع الطبيب تخوفه، هل من تلك الأنابيب التي غرسها في صدر؟ فقال له:

- لا المجسة لن تخطيء وحساباتها كما حسابات الخسوف، تستطيع أن تخبرك حتى عن سكتات وأسلافك وأخلافك القلبية..

ما هذا الدوار؟ لم يقرأ بالجريدة عن كل هذه القدرات للمجسة! ماذا سيطلب تحديدا، جدول سكتات أسلافه أم أخلافه القلبية؟

 تبسم الطبيب ضاحكا منه وهو يتساءل في صمت، لكني شك في قوة صمته طالما أن أسلاك المجسة باقية عالقة بصدره، يقولون أنها تبحث عن ميعاد السكتة القلبية التي قد تضربه بعد سنوات، وبداخله من يقول أنها تسجل أسئلته الصامتة، وما أكثرها من أسئلة! فراح يقاوم أفكاره ويعيد دفن ذخائر نفسه في أعماق الصمت، لكنه عاد وتذكر الورقة التي وقعت من سترته وتساءلت مجددا إن كانت تلك التي خطط فيها لبقية العمر قبل أن تضربه السكتة القلبية وفق زمن ستقدره المجسة الجديدة.

شعر بارتجاج قوي في صدره بعد أن دوى صوت المجسة الشبيه بصوت انقطاع البث التلفزي المفاجئ، أظلم كل شيء أمامه، إلا نقطة ضوء بعيدة جدا أحس بنفسه يمضي باتجاهها بسرعة تفوق سرعة الضوء، كان كما الجالس بقطار داخل نفق لا يرى من نوافذه أشجارا ولا أحجار ولا مُدنا بل وجوها! ويحزن لكونها لن تكون معه في عمر ما بعد السكتة القلبية، وصرخ حين رأى وجه حبيبته حورية يمضي هو الآخر إلى الخلف أو الامام تمنى أن يتوقف هذا القطار لينزل ويبقى بجانب حوريته البرونزية ذات العينين البنيتين انفلتت من أصابع أحلامه، فراح يتقلب على السرير ويجتث من على صدره كل الأنابيب والخيوط!

افاق فجأة، وقبل أن تدنو منه الممرضة السمُّورة ذات المئزر التنوري القصير لتسلمه الورقة التي سقطت من جيب سترته، وفتحتها وقرأتها من دون استئذانه، سأل الطبيب:

- أي دكتور، ماذا قالت المجسة؟

- المجسة؟

- نعم، متى ستصيبني السكتة القلبية؟

نظر في استغراب إلى من حوله..

- لقد نجوت منها للتو، واستطعنا أن ننقذك من الموت المحقق، هيا ألبس سترتك بوسعك مغادرة المصلحة غيرك كثير ينتظر دوره!

مسح جبهته، تذكر أن ورقته المطوية أربعا التي سلمته إياها الممرضة السمراء لا تزال بيده المحمومة، فتحتها ولم تكن مطلقا مخطط عُمره فيما بعد السكتة، بل فاتورة كهرباء البيت من ثلاثة أشهر من غير دفع، فتش في جيوب السترة الستة عن ورقة المخطط فلم يجدها، فارتعب من فكرة أنهم متواجدون حتى داخل العيادات وليس فقط في الإدارات والحمامات ودور العبادة!

وفي البيت لم يسمع زغاريد العودة والنجاة من السكتة القلبية وانتصبت أمامه بوجه عبوس ومئزر متدل من خصرها ملطخ تفوح منه روائح الثوم والعدس، تحمل الورقة بين أناملها بعدما نزعت عن الكوكوت صفارته المزعجة:

- ما هذا المخطط بعد سن الأربعين، ومن هي هذه الحورية!

 






Share To: