تبعث بخصلات شعرها الثائرة كنفسها إلى الوراء، ناظرة إلى المرآة في خوف من ظلال وجهها الشاحب، تبحث بين ثنايا عقلها عن معنى أخير لبقائها معه، دائمة الانسياق خلف عقلها المتشرب بآراء ليست لها، حائرة النفس لا تدري هل ينتهي بها هكذا المطاف!
ترقب نفسها في المرآة، تقترب أكثر، وجهها لم تتراكم عليه تلك الخطوط المخيفة بعد، ولكن لماذا يبدو وكأنه سبق عمرها؟! تكتم أنفاسها رائحة ذبوله، في ضيق تحاول تجاهلها، "أجمل شيء فيك عيناك"، تبتسم لتلك الكلمات المارة بخاطرها في ذلك الوقت لتمعن في تجريحها، لماذا لم تعد عيناها بنفس ذلك البريق؟ وعادت تنفض السؤال عنها، ابتعدت عن مرآتها تلك الكاشفة لحقيقتها العارية.
                                            ***
أقسمت يومًا أنها لن تفترق عنه، كاتصال الروح بالجسد، كان حبهما ميلادًا جديدًا لكليهما، صعاب كثيرة تلك التي واجهتها، وجوه كثيرة عارضتها، لم تعد تذكرها، كل ما تذكره هي رغبتها في أن تهبه عمرها، ومحاولتها الجسورة للارتحال عن عالمهم لتعيش معه بعالم آخر لا يعرف قيودهم ولا يؤمن بأفكارهم.
لم تخشَ يومًا تحذيرهم، أو ذلك المستقبل الذي ينتظرها معه، لم تأبه لشيء.
                                                       ***
عشر سنوات من نسيم عمرها مرت وهي تتجاهل ذلك المصير الذي قادت نفسها إليه، وذلك الندم الذي بدأ يداهم بقاءها معه دون أن تبوح به، أو تنوح بأمومتها المبتورة داخلها بأمرها.
اقترب ذلك الأزيز الخفيف من مسمعها، اقترب أكثر وأكثر، نعم هو الآن إلى جوار قدمها، وأنفاسه تتردد كصدى صوت بعيد عن نفسها.
حاولت أن تبدو أقوى لتواجهه، استدارت لتقابل نظراته المتأملة لها، وهاتين العجلتين اللتين حفرتا آثارهما واضحة على كفيه، جثت على ركبتيها، ووضعت يدها على مقبض ذلك الكرسي، ربما لتلغي تلك المسافة بينهما، أو ربما لتشعر أنه يسمعها بعد أن اختنق صوتها داخلها وخذلها فأبى الخروج.
                                                       ***
امتدت أصابعه في رقة لتخط بعض الخطوط الحانية على وجهها الذي طالما أحبه واحتضنه بين راحتيه المتعبتين، تغلغل برأسه بين ثنايا قلبها، ربما ليحتل مكانًا أكبر مما تتيحه هي له، مرتكزًا على ذلك الاضطراب الذي يتجسد بعينيها وأنفاسها المتلاحقة.
تجمعت تلك الثورة بداخلها في قبضتها، وودت لو أن تحطم ذلك الكرسي الحائل بينهما كشبح بغيض يعتصر عمرها، ويضغطه ولا يتركه إلا وقد ذبل وتسرب من بين يديها كذرات رماد.
لانت قبضتها، وتركتها تتغلغل بين خصلات شعره كطفل شريد يبحث عن أمان لا يجده، بدأت دموعها تطفئ بعضًا من ثورتها.
***
ارتشف دموعها بدموعه، وكأنه يحس ما يعتمل بداخلها، ويخشى صراعها كما يخشى قرارًا لن يلومها عليه لو اتخذته، ربما لأنها يوم منحته قلبها، منحته كنزًا ذهبيًّا، أو لأنها وهبته أجمل سنوات عمره.
كانت دموعه كافية لقمع ثورتها وإخمادها؛ ليتعالى صوت قلبها، يعلنه رفيق دربها وطفلها وعمرها.
انطفأ غضبها، وجفت دمعتها، وعادت تضم رأسه لقلبها أكثر في استغفار لذنب لن يولد. 
 







Share To: