"قده مجنون" هذه العبارة يتفوه بها كل اهالي القرية، إذا تذكر أحدهم الحاج"ناجي" الذي يحمل لقب "العراب" اشتهر بهذا اللقب بسبب كثرة الحكايات والقصص المنقولة عنه إلى القرية، وبسبب كثرة ترحاله بين القرى وهو في سن الشباب، فقد نُسجت عليه الكثير من القصص والروايات ذات الطابع الجنسي والاغوائي، وكيف كان يستطيع إقناع الفتيات بسهولة، إضافة إلى ما حمله من وسامة وجمال قبل أن يصاب بمرض الجدري ويتشوه جسده ومظهره الخارجي. هذه السيرة والسلوك للحاج ناجي العراب جعلته يسكن في "ديمه" بعيده عن القريه، فوق تلة تشرف على بيوت القرية، يحصل على الطعام من أبنائه الذين رفضوا السكن معه، وأخرجوه من منازلهم، وحذروا أبنائهم من سلوكه وأفكاره، وبنوا له غرفة صغيرة فوق التلة، ثم تقسموا أيام غذائه بينهم، وخصصوا أيام محدده لكل واحد ليتكفل باطعام والشراب لوالدهم.

لا يخلوا مجلس من مجالس المقيل في القرية من إسم الحاج ناجي، وقصصه المثيرة، وخدمته لزوجات المغتربين في تلك الأيام، مع بعض الغمزات والضحكات الدنيئة، والبعض يدافع عنه بحجة أنه عاش زمانه ثم أنه قد سجنه الإمام في تعز، ونشر عنه الأقاويل التي تضعه في موضع البذئ، والمجرم الشاذ الباحث عن النساء، حتى وصل الحد إلى أنصار الإمام والهواشم في قريته إلى نشر إشاعة بأنه مارس الجنس مع "الكلبة" مما أدى إلى تفكك أسرته وهجره من قبل زوجته. واضاف أحد الحاضرين بأن الحاج ناجي مثله مثل أي متمرد على بني هاشم، ولا ننسى بأنه شارك الثلايا في محاولة إنهاء الإمامة، وبعد إن أعدموا الثلايا سجن الحاج ناجي واستطاع الفرار من السجن بسبب فتاة هاشميه من بيت الإمام، هذا حميري دافع عن قوميته وهويته اليمنيه ولكن الهواشم دائما يمزقون صورة الأحرار في نظر المجتمع ويجعلون الواقع نفسه يلتهمهم، ثم أضاف : أنظروا إليه الآن! لقد صدق الجميع الحكايات والقصص التي أتت من بعيد وشرده أولاده ورفضوا السكن معه.

كان فارس يسمع إلى حديثهم بصمت، ولأنه في سن الفضول والتطلع لمعرفة كل شيء، قرر أنه سيذهب إلى الحاج ناجي برغم كل التحذيرات من والديه والناس في القرية، ولأنه يسكن في قرية نصفها ينسبون أنفسهم لسلالة النبي، فقد صوروا ناجي بأنه يمر في حالة غضب إلهي، وإن النار متلهفة لوصول جسده، وسمع لعناتهم المرعبة اتجاه ناجي، وطرده من رحمة الله، وكأنهم آلهة الأرض يرحمون ويعذبون من يشاؤون. ذهب فارس بعد صلاة المغرب إلى غرفة ناجي سالكاً الطريق الخلفية للتلة لكي يتحاشى أنظار الآخرين، ويتجنب أسئلتهم عن وجهته، وصل إلى قرب الغرفة وشم رائحة مسك وعطر يفوح في الجو، تشبه رائحة كبار السن الذين يجلسون في زوايا المساجد، نظافة بالغة أمام الغرفة، وتراتيل قرآنية شدية تنفذ من مسامات جدران  الغرفة، دق الباب برفق وفتح له الباب ثم سلم عليه وقبله في الرأس ونظر إلى الغرفة مذهولاً يراجع ذكرياته الممتلئة بالحكايات على هذا الحاج ناجي، وتوقعاته التي بأت بالفشل، إذ أنه كان يتوقع أن يجد الحاج ناجي في رثة وقذارة تحيط به كومة من الأوساخ، ولكنه وجد الغرفة تماماً مثل الصومعة، نور فانوس هادئ، مصحف قديم يحمله ناجي، غرفة مطلية بالطين "والكّربة البيضاء" وأواني نظيفه، ودبة ماء "مشملة" ووجه حسن تتدلى منه ضحكة نبوية.

دون أن يسأله فارس عن سبب تلك الإشاعات المخزية بحقه، تكلم الحاج ناجي وهو جالس على طرف "الدكة" الموضوع عليها فراشه : يقولون عني إشاعات مخزية، صدقها القريب والبعيد، حتى أبنائي هجرونا بحجة إننا تركت أمهم تتعذب وذهبت "للكلبة" يقولوا عليا "قبيلي نجس" "وكيف تقبل القرية الطاهره هذا القبيلي النجس" قالوا لنا أنهم أحفاد الرسول وبني هاشم، وإن عرقهم متصل بعرق قريش وسلالات النبوة، ما درينا كيف دخلوا القرية حقنا، المهم أنا ما رضيت بالباطل، وكذبت افتراءاتهم، وتعلمت القراءة والكتابة وقريت لنشوان الحميري، والهمداني، وعرفت إننا تحت غزوا خارجي علوي يظن بأن اليمن إقليم فارسي زيدي، طمسوا الهوية والقومية اليمنيه، حتى الزوامل الشعبية شحنوها بفكرة الجهاد الإسلامي وعبوا افكار أبناء القبائل فكر جهادي ونشبوا الفتن بين القبيلة والأخرى من أجل يتمكنوا من السيطرة على الأرض بسهولة، وقفت في وجههم واثاروا عليا شائعات كثيرة، وقتلوا زوجتي وقالوا إنه أنا من قتلها، واتهمونا بالعمالة لليهود، وقالوا أننا مارست الجنس مع"الكلبة" سافرت من القرية وانضميت مع الثوار، قبضوا على الثلايا واعدموه وأنا جلست في الجبال حتى بلغ عليا راعي غنم.

تنهد ثم أضاف : سجنت في القلعة في تعز، وهربت من السجن مع أخت الإمام، لمحتنا وأنا مقيد معاهم، وأنت ما تعرف لهفة الهاشميات، بعد يومين أمرت الحرس في السجن بالخروج، واتفاجأت بها معطرة وجسم فاجر واثداء يرسلوا وميض من نار، ولأننا كنت في زنزانة انفرادية كنت قادر أجعلها تتمتع ولكن الغاية التي تنتهي بشهقة ولذة هي غاية الجبناء، ولأن الغاية تبرر الوسيلة، وعدتها بالزواج إذا استطاعت تهربنا من السجن، وبالفعل هربت معها بعد خمس أيام، وعندما أبتعد عن الخطر قلت لها : يا شريفة أموت عزب ولا أتزوج هاشميه. وجلست احوم في القرى والمدن اليمنيه ابحث عن ذاتي واطلع على حجم استبداد وطغيان الإمام وحاشيته، وزرت عدن واطلعت على كتب الفلاسفة والمفكرين لعصر التنوير في أوروبا ومريت بحالة نفسية عصيبة، وقامت ثورة 26 سبتمبر وأحسست بنشوة الإنتصار للبلد الذي مازال يقدس أرباب مذاهبه، وعندما عدت إلى هنا وجدت كل شيء مختلف.

مازالت قريتي تقدس الهواشم، وتلقيت صدمات عنيفة، بين الإتهام بالالحاد وقتل زوجتي والهروب، وكنيه لا استطيع النطق بها، و"قبيلي نجس" وبناء غرفة لي بعيد عن أبنائي واحفادي، عمري الآن سته وثمانين سنه، ونحن الآن في عام 2010 وهذه الحرب السادسة بين الهواشم والحكومة، الكارثة القادمة إن الهواشم أصبحوا بإسم آخر وهو "الحوثيين" انتساب إلى منطقة "حوث" في صعده وهذا حوث هو يمني، وصاروا الهواشم ينتمون إلى قبيلة يمنيه أصلها يعود إلى "حوث بن سبيع بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد بن همدان بن زيد بن كهلان بن سبأ" هذه الأخبار يا ولدي لا تسرني البته، اليمن سيتحول إلى انهار من دماء وكلها دماء أبناء القبائل التي لم تنظر إلى جذورها لكي تعلم بأن الحضارات اليمنيه كانت تناطح السحاب بينما قريش كانت تغرق بين كثبان الصحراء الملتهبة، والفتاة اليمنيه التي كانت ملكة وزارعة للأرض بينما قريش كانت تدفن نسائها بحجة العار، أرأيت كيف طمسوا الذات اليمنيه؟ ثم بدأ يبكي.

وبعد عشر سنوات من زيارة فارس للحاج ناجي، ها هو يتذكر حديث الحاج ناجي ويترحم على روحه النقية الطاهرة التي لطخها الهواشم بإشاعات قذرة انتقاماً منهم على روح الثائر الحميري اليمني، فتح فارس مذكرته ثم كتب : ها هو الإمام يعود بصورة السيد الجديد، وها هي القبيلة اليمنيه المطموس جذورها التاريخية تدفع بأبنائها إلى جحيم المعارك من أجل أناس متوردين لا أصل لهم ولا أرض. رحمة الله عليك يا حاج ناجي، دافعت عن الإنسان اليمني وهويته وذاته، عشت حراً لم تبيع ضميرك، وتوقعت الأسوأ فحصل، وربما نحن على عتبة هي الأسوأ إذا لم يستيقظ الضمير اليمني كما أستيقظ الضمير السبيئ. أغلق فارس مذكرته ثم أشعل سيجارته وأخذ نفساً عميقاً وقال : لو يقدس اليمني ذاته ويبحث عن جذوره لأصبحت اليمن بخير من هذا المرض المزمن.

تمت






Share To: