ذكر المفكر السياسي الكويتي الشهير، عبد الله النفيسي على قناة صحيفة القبس الشهيرة، وهو يشير إلى شخصية السفير البريطاني السابق لدى عديد دول المشرق العربي همفري ترفنيان، في سياق سلسلة كان ينجزها للتلفزيون الكويتي نهاية سبعينيات القرن الفائت، كيف أنه هذا الأخير طلب مقابلا ماليا نظير مشاركته في تلك السلسلة، وليس هذا فحسب بل وطالب بتسديد تكاليف الكهرباء التي استهلكتها آليات التسجيل ببيته! وهو ما لم يصدر عن أي مسئول أو شخصية عربية شاركت في تلك السلسلة، بل على العكس منه تماما، فزائد السرور والفرح بالمشاركة، كانت تلك الشخصيات تفرد الهدايا وتحتفل بالذبائح بالدكتور النفسي وكل طاقمه الإعلامي المرافق، وهو ما اعتبره الدكتور طيبة عربية، ضدها الغربي المادي الذي جسده السفير البريطاني السابق، مشيرا إلى أصوله اليهودية بوصفها نزاعة للمادة حتى في أبسط مستويات التعامل المادي كأساس لتصرفه ذلك، فهل حقا تقف المسألة عن هذا المنزع التراثي الثقافي والبيولوجي لهذه الشخصية واعتبارها الدافع للتصرف بتلك الطريقة الفجة؟
في الحقيقة تبدو شاكلة تصرف همفري ترفنيان مع الدكتور النفسي وطاقمه التلفزيوني التجارية في مقابل الشاكلة المجانية الحبية، لنظرائه العرب غاية في الانسجام مع الخصوصية التاريخية للطرفين، خصوصية ليست تقف بالضرورة عن حد البعد الثقافي والنفسي، مع عدم إعدام حضور وتأثير هذا العنصر، وإنما تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك كي تصل إلى حد ظاهرة احتراف الخبرة والمعرفة الدبلوماسيين على الصعيد الشخصي بعد نهاية الخدمة الرسمية.
السفير البريطاني السابق، ما كان ليطلب مثل ذلك المطلب السخيف (مقابلا ماديا وتسديد فاتورة استهلاك آليات التسجيل لكهرباء بيته) لو كان لا يزال في الخدمة الرسمية، كونه يمثل بلدا كبيرا له تقاليده السياسية تعكس بدرجة أو بأخرى تقاليد المجتمع وقيمه الثقافية.
بيد أنه ولكونه كان قد أنهى مساره المهني، فهو يتصرف في نصيبه من الإرث الدبلوماسي الذي منحته إياه دولته بالطريقة التي يستفيد منها ماديا ومعنويا، تماما كما هو الشأن مع الموظف أو المدرس الذي يتقاعد في مساره المهني دون أن يتوقف عن النشاط ليدعم رصيده المادي ويستمر في الحضور بقطاع نشاطه خارج المؤسسة التي اشتغل فيها طوال حياته.
من جانب آخر فإن هؤلاء الدبلوماسيين الغربيين السابقين لا يودون الظهور بمظهر من افتقد الأضواء وانغمر في الهامش كما هو حال جل الدبلوماسيين والرسميين العرب حالما يُقالون أو يحولون أو يحالون على التقاعد، فلا تكاد تسمع لهم من بعد عقود عديدة من التمثيل الدبلوماسي همسا، وإنما تراهم إما منخرطين في قطاع المقاولة أو مستريحين في عواصم الغرب الباردة ينتظرون حتى يأتيهم القين ليعودا على توابيت للدفن بالأرض الغربية الدافئة.
وعليه سيكون من الخطأ الاكتفاء بالنظر إلى موقف همفري ترفنيان من زاوية المنزع المادي الشخصي الصرف، بل قد يكون ذلك من السذاجة المفضوحة بمكان، ذلك لأن المسئول الغربي باحتراف لتجربته الطويلة، فيما بعد خدمته الرسمية يريد التأكيد على قيمته وجعلها متواصلة ومستمرة كونه من صناع التاريخ وهو بذلك يملك شيء جدي وأنه يقدم إعلاميا فعلا التاريخ.
أما المسئول العربي الحزبي أو الرسمي الديبلوماسي فيبحث عن تقديم نفسه للتاريخ بالمجان، بل بتقديم الذبائح والقرابين لمؤسسات الدعاية التلفزيونية تماما كما يفعل الاقتصاديون مع سلعهم ومنتجاتهم الاستهلاكية.
فالمسئول الغربي متعال بتعالي حضوره الفعال والصحيح والقوي في التاريخ، فهو بذلك يعتقد بأن المعرفة وسؤال الحقيقة هما من يبحث عنه وليس العكس، لمصداقيته ووزنه التاريخي، في حين المسئول العربي السابق يظله هو من يحتاج المعرفة (أن يُعرف) باعتبار أن سيرته المهنية خالية من كل إنجاز، والأكثر منه خالية من كل سيادية، فهو يظله ملزما بواجب التحفظ على ما شاهده ومارسه حتى الموت، لسبب بسيط هو أنه لم يكن فاعلا في الديبلوماسية بل موظفا رسميا كما كل موظفي سفارته الإداريين واللوجيستيين وحراس أمن المبنى.
إذن، فإذا كانت مثل هكذا عناصر متداخلة هي من تنتج مثل موقف السفير البريطاني السابق في العراق وفي عديد عواصم المشرق العربي، بطلبه مقابلا ماديا وتسديد فواتير الكهرباء المستهلكة في بيته من آليات التسجيل للتلفزيون الكويتي، نظير إعطائه مقابلة صحفية، فما اعتبره الدكتور النفيسي طيبة (سذاجة) من جانب العرب ليس بالعنصر الكافي لتحديده كموقف مناظر، لأن أساس التناظر يكاد ينعدم بالمرة، فلا يمكن مثلا تخيل أن يطلب الكاتب الصحفي والوزير المصري السابق محمد حسنين هيكل مقابلا ماديا ودفعا للفواتير لقناة تلفزيونية غربية ترغب في محاورته، لكن تأكدوا أن كل مشاركاته ولقاءاته مع القنوات العربية كانت بالمقابل، لأنه يدرك بأن ما سيقدمه للمتلقي الغربي لا يلقى ذات المصداقية لدى المتلقي العربي !

Post A Comment: