والمقصود بالتصرفات النبوية :
ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل .
فالنبي صلى الله عليه وسلم يتصف بعدة صفات :
🌵فهو نبي مرسل مبلغ عن الله تعالى :
سواء عن طريق الوحي المتلو (القرآن)، أو عن طريق الوحي غير المتلو (السنة).
وهذا هو الغالب على تصرفاته صلى الله عليه وسلم، لأن وصف الرسالة هو الغالب عليه.
🌵وهو كذلك مفتي المسلمين، يجيب عن أسئلتهم العامة والخاصة :
والجواب غالبا يكون للسائل ومن على شاكلته، إلا ما نص الدليل على التخصيص بشخص السائل .
ومثال ذلك ما أخرجه الشبخان- وهذا لفظ مسلم – عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما،قال:
خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ نَحْرٍ، فَقَالَ:
«لَا يُضَحِّيَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلِّيَ».
قَالَ رَجُلٌ: عِنْدِي عَنَاقُ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ قَالَ:
«فَضَحِّ بِهَا، وَلَا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».
🌵وهو كذلك قاضي المسلمين :
يقضي بينهم على ضوء الحجج والبينات، والأدلة التي يقدمها الخصوم بين يديه، ويقضي بينهم وفق اجتهاده في ضوء الوحيين.
أخرج الشيخان، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».
وهو في ذلك قدوة للقضاة من بعده في تحري إقامة العدل، وإنصاف المظلوم، واستيفاء الأدلة والحجج والبينات، والقضاء وفق الوحيين.
🌵وهو كذلك إمام المسلمين ورئيسهم، فهو يعمل بما يحقق مصالحهم، ويدفع الفساد والضرر عنهم :
ومن أمثلة ذلك محاولته صلى الله عليه وسلم مصالحة غطفان، حتى يفك الحصار عن المسلمين.
لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم نقض بني قريظة العهد يوم الأحزاب أرسل إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف، وهما قائدا غطفان- وأسلما بعد ذلك- فلما جاءا في عشرة من قومهما قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أرأيتما إن جعلت لكما ثلث تمر المدينة أترجعان بمن معكما، وتخذّلان بين الأعراب؟
فقالا: تعطينا نصف تمر المدينة، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزيدهما على الثلث، فرضيا بذلك، فأحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصّحيفة والدّواة، وأحضر عثمان بن عفان فأعطاه الصّحيفة، وهو يريد أن يكتب الصلح بينهما، وعباد بن بشر قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقنّع في الحديد.
فأقبل أسيد بن حضير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه الرّمح، ولا يدري بما كان من الكلام، فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعيينة بن حصن مادّ رجليه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم ما يريدون، قال: يا عين الهجرس اقبض رجليك، أتمدّهما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
والله لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنفذت خصيتيك بالرمح!
ثم أقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
يا رسول الله إن كان أمراً من السماء فامض له، وإن كان غير ذلك فوالله لا نعطيهم إلا السيف، متى طمعوا بهذا منّا؟
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فاستشارهما في ذلك وهو متكئ عليهما، والقوم جلوس، فتكلم بكلام يخفيه، وأخبرهما الخبر.
قال ابن إسحاق :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشارهما في ذلك فقالا: يا رسول الله إن كان الأمر من السماء فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر به ولك فيه هوى فامض له سمعا وطاعة، وإن كان إنّما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف.
وأخذ سعد بن معاذ الكتاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر مّا».
فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشّرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله تعالى نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام، وهدانا له، وأعزّنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟
ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلّا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت وذاك.
فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا.
فقد بيَّنَ لهم صلى الله عليه وسلم أنه هنا يتصرف باعتباره إماما، فيكون هذا من باب السياسة الشرعية.
والله تعالى إنما جعل له كل هذه السلطات، ليقعد القواعد، ويضع الأسس التي يسير عليها القاضي، والحاكم من بعده، فيكون القدوة لهم جميعا .
🌵وهو كذلك بشر، له بعض التصرفات البشرية الجبلية الفطرية .
يتبع .....

Post A Comment: