في آخر يوم من عمر الحب الذي عشته مع رغد, جلست معها في نفس الكهف الذي يحتوي كل العشاق، نظرت نحو الصخرة التي تقع مقابلنا وقد نبتت شجرة عرضها وكأنها معجزة تنهدت ثم
قالت بعد صمت تتخلله نظرات العشق الذي كان مُصفد خلف قضبان العيب : أنظر إلى تلك الشجرة الصغيرة، نبتت عرض صخرة قاسية، من حولها الجفاف والتعاسة، ينام جذرها على التوجع والمعاناة، تسدل أوراقها على جسدها العاري وتخفي توجعها بصمت، الموت يحيط بها ولكنها ترقص، أنظر إليها، تتمايل على إيقاع دفوف الرياح، إنها البطلة أمام مسرح الطبيعة، تمثل تراجيديا المأساة عندما يرمي بك القدر في حضن الصخور الملتهبه، تشبه اليتامى وهم يرقصون من الجوع عندما تتقاذف بهم موجات الرياح الغاضبة، كيف يصل إليها الماء، أظن أنها ترمز إلى المشردين عن المنازل، الضائعين في دروب القسوة والفجائع، لا يعلمون من أين يأتي إليهم الماء أو الطعام، الطبيعة حكيمة للغاية يا حبيبي، علمتني هذه الشجرة شيئاً ما، أنظر، أنها تشبه حلم شعب يحاصره الطغاة من كل مكان، اوه، الطاغي ليس كصخره، لو كان كذلك لسمح للشعب أن يخضر، يرتوي، الشجرة خضراء رغم توغل جذورها بين أنياب اليباس، ورغم هذا فهي ثملةُ وتغني، تلامس الحرية رغم سواد العبودية من حولها.
ابتسمت، بعد إن أنهت حديثها، تخيلتها - في تلك الأثناء - بأنها المرأة التي اغوت هاروت وماروت، من دخلا في تحدي صريح مع الآلهة، بأنهم أقوياء أمام رغبة البشرية، أمام الغواية مقابل سحر يفوق سحرهما، سحر الاشتياق إلى إلتماس ذاتك في نظرة إمرأة، البحث عن الطمأنينة الأبدية، السكينة التي توجد في حضن امرأة تشبه البحر حينما يبتسم له الصباح ويدغدغه الشفق، وضعت رأسي بين يديها وشعرت بأن الآلهة اليونانية القديمة تضحك، وتصفق، وزوربا يرقص أمامنا ويقفز عالياً عالياً ويديه في عناق مع السماء.
قلت لها: لقد وضع البشر قواعد وعادات تقف في وجه الإنسانية، وعندما أقول الإنسانية فأنا أعني الحب، حاصروا الشمس من دخول المنازل بإغلاق النوافذ يا جميلتي، وفي الليل يطلقون النيران على القمر بحجة أنه يرشد اللصوص الطريق، ويرشد المحبين منافذ الأرواح في جدران المنازل، حتى زهرة البنفسج وضعوا عليها الأشواك وماتت، وفتحوا السجون بإسم القانون، واعدموا الحرية تحت مبرر الشريعة، وسجنوا الشعب بين البحر واليابسه.
تأملت كثيراً وهي تنظر نحو الشجرة، تلك الخضراء التي تقاوم السواد من حولها، قالت وعينيها تذرف بالدمع : أخوك أحب فتاة من الاشراف الساده، وأنت أحببت فتاة من المزاينه؟ مالذي دفعك لترتكب هذا الخطأ يا بدر؟
مسحت دموعها وأنا أعلم بأنها تؤاسي نفسها بهذه الكلمات، لا تتحدث بنية الافتراق والمغادرة، أو أنها مازالت تعترف بهذا التقسيم الشيطاني اللعين الذي حصل في مجتمعنا اليمني، ولأن النساء في شك دائم من إخلاص الرجال، فقد كانت تريد أن تعلم ماهي الدوافع التي جعلتني أسكنها في صدري، رغم إن هناك مئات من الفتيات من بنات القبائل اللواتي استطيع أن أتزوج على احداهن بسهولة، ولكن الزواج ليس زواج الأجساد، لأن المتعة تنضب في يوماً من الأيام، والقوة تتهاوى في كهوف الشيخوخة، والغواية الجمالية في الملامح ربما تتشوه، لذلك الزواج الروحي والفكري أقدس من الجسدي، لأنه يقوم على التكامل الذهني والعقلي، والتوافق الحسي والفني بين الأزواج، فتكون حياتهم أشبه بجنة عدنٍ، إذ أن الجنس ليس إلا أداة للتكاثر، يمتلكها أدنى حيوان في الطبيعة، ولولا الأديان لكان الإنسان يستطيع أن يقضي وطره في اي مكان يريد، ومع من يريد، أما الروح والعقل فهما من يحددان الزواج بمن تراه سيكون شريك حياتك وامشاعرك وانزواتك وارغباتك واميولك واحريتك وأفكارك مهما كانت ديانته وتوجهه وأفكاره وقبيلته وعرقه.
انتهيت من قراءة أفكارها بصمت وأنا أنظر إلى عينيها ثم قلت لها : اخي من أحب الشريفة من الذين يسمون أنفسهم سادة أحبها لجمالها، يعني أنه أحب أن يفرغ شهوته في حضور ذلك الجمال، لم يحبها لنفسها وإنما لحيوانه في الداخل، أما أنا فقد احببت فتاة سيدة العقل والمنطق، شرفها العقل وعذريتها التفكير، السيد هو من يفكر يا رغد واليس من هو سلالي! هل فهمتي؟
قبلتني، وظهر والدها ونحن نعصر خمراً لذيذاً سائغاً للشرابين، ريقها أعذب خمر صنعته الآلهة، لم نلتفت ناحيته، سكارى الحب لا يشعرون، كنا نطير في عوالم بعيده، خلف أجنحة الملائكة، أقترب منا، مازالت بين اذرعي، تعصرني بشدة في صدرها كأني الالياذة الشعرية هومر، كانت تلك اللحظة نشوة الموت والمعاناة والحياة والامتزاج، إمتزاج الأعراق والاطياف والأجناس والعادات والتقاليد، أذبنا عادات المجتمع بحضن أنهى سخريتهم المقدسه، كما وصفها هومر، أقترب مني، انتزعها بعنف، أسقطها أرضاً، ركلها بوحشية، هشم جمالها بقبح يديه، تحول ظهرها الصافي كصحراء ذهبيه إلى ظهر حصان يجلده السوط والقوة، اندفعت نحوه، أشهر مسدسه وقال : أنت قبيلي، وهذه مزينه، أتريد أن تلطخ شرفك وشرفنا.
قلت له: أريد أن أقتل هذا الشرف الملعون، أدفنه تحت أقذر تربة في الأرض، مع جثث الماضي نحشره في القبور وانرتاح منه، أنكم تضعون قوانين تصيب زرع الأرض بالذبول والموت، تجعل الصخر أشد قساوة منا ولكنه لا يستطيع أن يكون أقسى منا، لست قبيلي وليست مزينه، نحن أناس، أناس تريد العيش بهدوء بين أيدي الله، تنام بسلام دون اسماء تفرق بين معشر الإنسانية، ما ذنب الإنسان حين يولد عاري، لا يمتلك إسم ولا لقب أو قبيلة أو دين وافجأةٍ يكتشف بأنه محاصر بهمجية المجتمع، لا لا، نحن سواسية، أنا إنسان، وهي إنسان وكفى، اتركوا القلوب تغني بين جدائل الأرض وتزرع الحب في الطرقات، وتنثر السلام على قمم الجبال، دعونا نضحك مع الأغصان والأوراق والوديان والطيور والماء والأشجار والأطفال والنساء والمسنين مهما كانت أسباب التفرقة، لماذا لا نتنازل عن هذه العادات التي جعلتنا وحوش نتصارع والنصر فيها لمبدأ القوة، وانحن الضعفاء الخاسرين على الدوام؟
لم يستمع لكلامي، وكأننا احفر بالماء، ركلها لتنهض، ثم قال لي: هذه هي عاداتنا وتقاليدنا، لن نتزوج منكم ولن تتزوجون منا، نحن مزاينة وهذا قدرنا، لا نستطيع مخالفة قوانين المجتمع واسالف الزمن، هيا أرحل قبل أن أفرغ مسدسي إلى رأسك.
رحلت، رحلت ولم أعود إلى القرية، تنقلت بين القرى المجاورة والبعيدة واسامرت البحر مع الأحزان والتعاسة، حكيت للبحر قصتي مرات ومرات، حتى ظننت بأنه مل من حكايتي، أخبرته عن غمازتها المطلة من خدودها الطريه، وصفت له ابتسامتها العذبة، عينيها الزرقاوتين، حلمها البرئ، طفولتها المرحة، قوامها الممشوق، حديثها الذي يشبه الوحي، أمنيتها النقية، حدثته عن صوتها الرقيق كموسيقى فرت من بين أصابع فنان، ثوبها المنسوج من الطهارة والتسامح والأمنيات، شفتاها الورديتين، خطيتها العظمى التي فرقتني عنها، أخبرته عن أفكارها العظيمة، أمنيتها أن تنام واتصحوا وقد اختفى كل مظاهر التفريق بين الناس، سوى باللون أو اللقب أو الدين، عن حلمها بحياة اجتماعية بسيطة. عدت إلى القرية بعد خمس سنوات، سألت عنها أول رجلاً صادفته أمامي قال لي: لقد ماتت تحت الصخرة التي تحتضن تلك الشجرة، عند كهف المحبين. لماذا ؟. أجاب : عندما وجدناها ميته، كتبت على الصخرة، "الحب لا يعرف شريعة العيب ولا قداسة العادات والتقاليد، أنه أعظم من الإيمان وأقسى من الموت، والآن لأموت بسلام، فقد احببت بشرف."
من ذلك اليوم، أصبح الكهف معبدي الوحيد، لأننا لم اجد معبد آخر خالي من دعاة الأفضلية والسيادة والقبيلة والمناطقية، ها أنا أغني وارقص واتحدث مع حبيبتي من فاز بها القبر.

Post A Comment: