الإهداء: إلى صديقين ودودين جمع بيننا الحبّ و الحزن 
و الحنين و باعدتنا سيرة الأيام...إلى عبد اللطيف البشراوي 
و جوهر أولاد حمودة....أنتما الآن تطلّان على الخمسين ...
شابت الذوائبُ لكن هل شابت الأحلام؟...خذا نفسا عميقا 
وشمّرا عن ذاكرتكما...حدّث ماركيز قال:"بعد الخمسين يبدأ
الحبّ و تبدأ الكتابة"..صدق ماركيز..تحياتي و محبّاتي.

التصدير1:"أنتِ خُلودُ النبيذِ بصوتي و طَعمُ الأساطيرِ
 و الأرضُ أنت."محمود درويش.
التصدير2:الآهْ...ليست سوى حمامة بيضاء نَبَتَت من عَجزٍ 
و قدرة:عجز الجسد عن أن يطيرَ سابِحًا إلى حيث تقدِرُ الرّوح أن تذهب بعيدا.( دوستوفسكي بتصرف).

اِمرأة من مصر...ما أروعَ مصرَ التي وهبتنا سعد زغلول
 و أحمد عرابي و أمل دنقل و أحمد زكي و محمد صلاح و أمّ كلثوم...في قلبي حبّ كثير يسيل مدادُه عن هؤلاء لكنّ هذه الليلة الباردة يدفئها صوت أمّ كلثوم و هذه الليلة المظلمة تنيرها آهات أمّ كلثوم و هذا النصّ هو نصّ "ثوما".

السلام عليكم أصدقائي....السلام عليك يا سيّدة الحاضر 
و الماضي..ياسيدة البكرة و لآخر وقت...السلام عليك و على عشّاقك الصالحين الطاهرين الأنقياء الأتقياء.

فتاة صغيرة خجولة نشأت في إحدى قرى "الدلتا"حافظة لكتاب الله معلُمها الأوّل و قائدها الأوُل.كانت تغنّي في الموالد
و حفلات الزفاف مقابل وجبة طعام أو قروش قليلة ثمّ اَقتحمت القاهرة فخلعت أبوابها و حرّرتها من الأشباه فملأت الدنيا و شغلت النّاس حتى صارت حفلتها الشهرية التي تبثّها إذاعة صوت العرب منتدى يجمع أبناء قحطان و عدنان.....
فيتوقّف الشرق عن الحديث و يتوب الندمان عن اللّغط 
و يسرح العشُاق في ملكوت الله حيث لا حديثَ إلّا حديث الآه...آه.
صوت جمع بين اللذّة و الوجع ..بين اللّوعة و الرّوعة و السّحر
...صوت على ضفافه نشأت مدن و قرى و واحات و دساكر..
صوت اِتّسع للباشوات و الأفنديات و الضباط و المغامرين 
و العاطلين ..ناهيكَ عن العشّاق و النسّاك...صوت جمع أهل الله و أهل الدنيا و أهل الآه...و لا أحد مثلك يا سيّدتي جعل حدود مصر تقف في آخر نقطة تصل إليها حدود صوتكِ.

تقف سامقة شامخة مثل هرم رابع بتسريحتها الملكيّة 
و بثوب طرّزته حُبيبات العقيق و بقرطين ماسيّين يتأرجحان و ينوسان و يتجاوبان  و ينتفضان و يبرُقان و في يدها منديل ورديّ قُدّ من آهات العشُاق ينتظرون اِرتعاشاتها
 و إيماءاتها ليردّدوا معها "آه".

كلُهم عرفوا سرُها و عظمة صوتها من الملك فؤاد إلى الملك فاروق إلى عبد الناصر...كلُهم اِنحازوا إلى صوتها العظيم ليصلوا عبره إلى أسماع الناس و قلوب الناس و عقول الناس.

الشّرق عاطفيّ جدّا و عَشَّاقٌ جدّا و اِزدادت عاطفته و اَحتدّ عشقه ألقا و وجعا حين عرف هذه الستُ العظيمة...كلّهم أحبّوها من شعراء و ملحنين و صحافيين..من أحمد رامي إلى محمود الشريف إلى محمد القصبجي.لكنّ نصيبها من الحبّ لم يكن إلّا لطبيب مصري اِستطاع أن يداوي فيها جروح القلب و جروح الروح أي جروح الآه.فتزوّجته و أبهرت عشّاقها ليلة زفافها إذ لم تكن تغنّي لهم بل أيضا تغنّي لنفسها و لحبيب قلبها.

آه يا سيّدة الشرق ..صوتك يحملنا إلى ضفاف لا ترانا و لا نراها..صوتك يحملنا إلى النجوم و إلى مدارات لا نعلمها...صوتك المليء بالفرح و الشجن يرسلنا إلى حيث نريد أن نكون و لا نكون.

كان يا مكان...تعب الطين من الهوى و من حِمل الهوى فعاد إلى الطين عندما سكت قلبها عن الوَجِيبِ فعلا النحيب 
و سكت الشرق و بكى الشرق و هَمَدَ الشرق و شَرِقَ الشرقُ.

أصدر مجلس الوزراء بلاغا ينعاها و بكى مذيع صوت العرب 
و هو يبلغ العالمين هذا الخبر الحزين أمّا هذا الشرق البَطرَكِيّ فقد تخلّى عن بطركيّته دفعة واحدة و نزل إلى الميادين يودّع سيّدة العشق و العاشقين. و يودّع معها قصص الحبّ الجميل التي عاشها على ضفاف صوتها.و وقف سيّد الشعراء على قبر سيّدة الغناء باكيا:

مَا جَالَ في خاطري أنّي سأرثيها
بعد الذي صغتُ من أشجى أغانيها
قد كنتُ أسمعُها تشدو فتطرِبني
واليومَ أسمعني أبكي و أبكيها

إيه يا سيّدة الشرق الحزين..أنا عاشق من "مدنين".. جٌبِلَ من حبُ و طين .كنت أنوي أن أكتب عنك نصّا بهيجا جميلا عذبا رقيقا لا يكون لأحد من السابقين و لا اللاحقين.لكنّ عشّاق السهر و مدّاحي الليل ألجموا قلمي
 و بعثروا أوراقي حين شرعوا يدندنون"أنت فين و الحب فين ظالمه ليه دايما معاك. ده أنت لو حبيت يومين كان هواك خلاك ملاااااااك".

 اِنتهى النص...شكرا لكم جميعا.*

**سعيد بوالشنب**
*مقهى الفرتونة*
**جمهورية مدنين العربية**

الهوامش:
1الشرق البطركيّ:الذكوريّ.الأبويّ.الاستبداديّ.
2الشاعر المقصود في آخر النص هو أحمد رامي.






Share To: