فسر مرة المفكر السوداني الراحل حسن عبد الله الترابي تكالب قوى التبشير على جنوب السودان، رغم وثنيته من أجل تمسيحه، ما أفضى فيما بعد لفصله عن السودان الكبير والحاقه بالعمق الثقافي الافريقي في محيط القلق الاثني المشتعل دوما بتخوم البحيرات الكبرى، باستعداد مثقفي تلك المناطق (جنوب السودان) للانفصال الثقافي والسياسي عن الشمال والعبور من خلال جسر التنصير كآلية تعزيز النشاز الانتمائي النسقي، إلى حيث تستقل الذات الهامشية أو المهمشة من قبل المركز، ما يعني بالضرورة أن مسارات ومساعي الانبساط للفكر الاستعماري في المرحلة ما بعد الكولونيالية أمكنها أن تجد لها الاستعداد الاستراتيجي من نخب ترفض شاكلة توزيع غنائم الاستقلال أو ترفض أن يمضي مشروع الاستقلال نحو الاكتمال في بنية المجتمع الفوقية أي باسترداد أشياء الذات الوطنية وخصائصها وهذا من خلال وضع الأقاليم القطرية المرتسمة حدودها على يد الاستعمار في دائرة الجدل المغلق بتفاعلات كل عناصره، الاثنية، الدينية واللغوية بما يجعل عملية إعادة البناء الوطني الفوقي تعود من جديد لتكبو كلما أوشكت على القيام والاستواء على العود.

إذن هي النخب المثقفة من استعملت في استمرار أطوار مشروع الفكر الاستعماري، بإثارة لا مجرد الحق في الوجود الأقلوي بل بفرض مطالبه المناوئة لمشروع المركز باعتباره يضفي طابعه العام على الخاص ما يعزز من قدرة المجتمع على تقوية تماسكه ونسقه الثقافي العام.

لكن إذا كان الاستعمار في السودان قد وجد في نخب الأقليات السودانية ظهيرا لنقض الاستقلال الوطني ورفض مشروعه في إعادة بناء المجتمع والدولة، بتحديث النقائض والتنوعات الثقافية، العرقية والدينية وإثارتها معرفيا كي ترقى إلى مستويات المطالب الاستقلالي الخاص، فإن الوضع اختلف بعض الشيء في بلدان عربية أخرى كانت فريسة للاستعمار الوجودي الكاسح مثل بلدان المغرب العربي أين استعصى على آلية التبشير قلب المعادلة الدينية لرسوخ الإسلام التاريخي والزمني وانبساطه التام والكلي على جغرافية المنطقة، والإسلام بخصوصيته الشمولية كمشروع يتضمن كل عناصر البناء الحضاري من ثقافة واجتماع وسياسة حقن وحصن مناطقه من محاولة انتشار وتوسع فكرة الاثارة المطلبية الاقلوية إلى حد بعيد، ومع هذا تمكن المشروع الاستعماري في أن يجد له منافذا اخترق من خلالها بنية المجتمع المركبة والموحدة والمنسجمة في تنوعاتها، وهذا من خلال مزاعم حياد العلم والمعرفة أقام لهما دور ومدارس وجامعات كفيكتوريا والجماعات الامريكية والفرنسية في بيروت والقاهرة ومدارس الأباء البيض في المغرب العربي والجزائر على وجه أخص، خلقت جميعها نخبا متعالية على ثوابت مجتمعاتها فاصلة بين قيام الدولة الوطنية وموروثات المجتمع الثابتة بذاتها وليست المثبتة بمواثيق ومستحدثة، حاسمة في مسألة القطيعة بين مجتمع ما قبل الدولة الوطنية وما بعدها، فاستحال المجتمع بكل زخمه وتراكماته التاريخية هو الطارئ على الدولة وليس العكس، فيما يدعم مشروع اصطناع "مجتمعات دول" وليس "دول المجتمعات"، الذي رامه الفكر الاستعماري فيما وراء التحديد الجغرافي عبر التقسيم الذي راعى بدقة التنوعات اللسانية (في المغرب العربي) والدينية (في السودان، الشام ومصر) والمذهبية في (العراق) والقبلية في (الخليج).

مزاعم حياد العلم والمعرفة الذي نهض على مبرراته الفكر الاستعماري، من خلال الترويج إلى حيادية اللغة اختزالها في كونها أداة التواصل والتعدد الديني والطائفي مصدر ثراء والتنوع حق إنساني، فيما يرفض هو (الاستعمار) في دياره انبساط هذه المظاهر، فخمار فتاة مسلمة بمدرسة في الهامش الفرنسي بوسعه أن يقلب البلد بكامله ويثير جدل على مستوى النخب الثقافية والسياسية باعتباره تهديد للنسق الثقافي الوطني، حرب ضارية بين الغزو اللغوي الانجليزي للفرنسية والاسبانية، رفض انضمام أي بلد مسلم للحظيرة الأوروبية المسيحية، هذا المزاعم لا تنفك تجد لها حضورا ماضيا قدما نحو التوسع في بلداننا العربية بإثارة الخصوصيات الاقلوية كرفض لمشروع دولة المركز التي هي بحكم فشلها التاريخي والتنموي بانت أضعف من أن تقام هاته القوى الاقلوية المطالبة بأن تتمركز في الوجود الوطني لا أن تظل مكونا هامشيا من مكونات الذات الجماعية.

إذن نحن لا نزال بصدد البحث عن عقل وطني يعيد فهم الكينونة خارج اقتيادات سلطة القوة التي استلمت مصير بقوة السلطة المجتمعات العربية من يد الاستعمار، وأبقت بذلك أوطانها داخل مطاحن الأسئلة الوجودية الوطنية عن الذات عن الهوية عن الافاق، وسط ضجيج وأجيج نخب ينشط كل منها من خلال مصالحه الشخصية وانتماءاته الطائفية وولائه الوفي للأولياء نعمه في الشرق والغرب.








Share To: