لم تعبر المرأة عن نفسها أدبا ومعرفة، ولم يُعبر عنها كقضية سوى عبر الرواية، ما طرح جملة من التساؤلات بخصوص تلازم ظاهرة المرأة والرواية في الفضاء التداولي العربي وقدرتها على صنع وإطالة الجدل الوجودي للثقافة العربية مذ صار ينظر إليها داخل نسق المدينة الحديثة وشروطها الحداثية التي استعصى عليها (الثقافة العربية) استيعابها وفق مجرى تاريخ الحداثة السلس، لأسباب ذاتية وموضوعية ليس يسمح المقام هنا بتناولها.
ما خصيصة هذا التلازم بين المرأة العربية والروية كقضية مشتركة ظلت أساس متين للمتن العربي وفي السواد الأعظم لمسروده الأدبي الحديث والمعاصر؟ ولماذا عبرت المرأة عن نفسها في الرواية وعبرت المدينة العربية عن نفسها بالمرأة، فيما ناح الوطن بجراحه أكثر في الشعر (السياسي)؟   
مذ نظر العقل العربي إلى ذاته في مرآة العصر التي صقلتها الحضارة الغربية المهيمنة، وهو لا يكاد يعثر على شكله لفرط ثقل اشكالاته مع الرؤية تلك، مستريب مرة من نفسه ومرة من التاريخ المرتسم خياله على مرآة الحضارة وفي عديد المرات من أداة الصقل الغربية، من أبرز الإشكالات تلك التي تثقل عليه وتحول دون تحقيق القفزة التاريخية التي يرومها الانسان العربي هي المرأة، التي استحالت ذاتا وموضوعا معرفيا، ولكن تمظهر ذلك بالأخص في الخطاب الأدبي المسرود منه أكثر من الشعري.
ففي بداية الصحوة الحضارية (وليس الدينية) التي توسم بالنهضة، كان مدار الكتابة والقراءة بوصفهما عنصر الوجود الحضاري المحسوس والملموس بالعالم العربي أهزل من يرسم خيال الانسان العربي الغاطس والغاطط في ظلمة نموه السحيق العميق لقرون عدة، يُتقاذف بين تقلبات الأزمنة وتغير أشكال الأمكنة وهو خارج نطاق الوعي بهما، فالمدينة الحديثة لم تكن لديه أكثر من فضاء اسمنتي يحمل ذات دلالة ومعاني الفضاء العري "الخيمي" ولا يطرح خصوصايته الإشكالية على العقل العربي لأنه لم يكن أصلا ثمة من عقل نسقي ينتج وعيا ملازما لخصوصية اللحظة المعاشة.
من هنا صارت الأسئلة المتعلقة بالمكان (المدينة الحديثة) كنتاج لوعي حضاري وفي الوقت ذاته كأداة إعادة انتاجه عبر آلية التخييل، تدفق على هذا العقل المكبل، ولبرزها سؤال المرأة بين الموروث والمستجد الزمكاني.
وإذا كان العقل لا يزال يراوح مكانه في هاته المسألة لتعقيدات وتلغيمات حقل اشتغاله، فإن الخيال بدا حاسما جازما في تجاوز المحظورات الموروثة عن المرأة متخذا من قوة جثوم المدينة أم الرواية على وعي الانسان المعاصر وثقل اسئلتها الكبرى المتجاوزة لحدود الموروثات الثقافية القديمة.
عبر الأدباء المدنيون (الساكنون بالمدينة) والمتمدنون (الحاملون لوعي المدينة) كل عن رؤيته للمرأة بمرجعية المدينة باعتبار هاته الأخيرة ليس فقط مظهرا للحضارة بل نسقها التاريخي، فحاول من حاول رسم حضور المرأة داخل المدينة بذات شكلها في الخيمة الأولى ورفض ذلك من رفض معتبرا القطيعة المكانية في المتخيل لازمة لإعادة تخييل الوجود الحضاري للمجتمع من خلال شكل المرآة بتجريدها من ملاياها واخرجها ليس فقط من الخيمة بالبادية أو المطبخ العصري بالمدينة بل من البيت ككل وبالتالي إعادة تشكيل وجه المدينة الذي تم اغراقه بالذكورة (فضاءات التعايش والتلاقي، المقاهي، السواق، الملاعب.. ) فينتهي طغوى الذكورة ويستوي الحضور الجنسي في الظاهر كما هو في الباطن.
ومع تطور الممارسة المدنية التي أتاحها الحضور الكولونيالي بعسكره وفكره، وخروج والتحاق المرأة بمؤسسات تشكيل وتأصيل الوعي المدني من تعليم، وعمل ونضال، تجلى جناح الخيال الثاني (الخيال النسوي) في سماء الأدب والمعرفة العربيين وطبعا كانت المرأة بنت المدينة الحديثة هي أخت الرواية من الرضاعة إن جاز التعبير، حت أنها جعلت رمزا لجمال المدينة ولبؤسها في الوقت ذاته، وهنا انتصرت المرأة كلية للمدينة ليس كفضاء مكاني مجرد، بل كنسق حضاري بجُماع سماته وشروطه، فبرز منزع نسوي منبهر بالمدينة كما انبهرت نسوة المدينة من جمال يوسف بقصر العزيز بعد إذ نمى داخله وهو القادم من البادية !
وبين حقوق المرأة وسلطانها الضائع في المجتمع بحسب الوعي بشروط المدينة المكتسب، تأسس الموقف الأدبي الذي سيرتقي لأن يغدو صنفا أدبيا (الأدب النسوي) ترفضه حتى بعض الأصوات النسوية باعتباره يخلق ثنائية (تميزية) جديدة الذكورة والانوثة في الضمير العربي المريض أصلا بصراع الثنائيات الضدية (أصالة – معاصرة، دينية – علمانية، قومية – قطرية).
والملاحظ أن مبحث الحق والسلطان المجتمعي الذي انبرى الأدب النسوي يسعى إليه وفق الخلفية "المدينية" والوعي المدني، جعل من المرأة جسد وسؤالا للتراث، موضوعا له، في ظل عجز العقل العربي وطارئيته على المدينة الحديثة عن وضع أسئلته الخاصة، وهذا ما أدى إلى ذلك التلازم في الوعي بالمسألة النسوية أو قضايا المرأة بين الجنسوية والانثوية مؤججا صراع الذكورة والانوثة، التراث والحداثة، المدينة والبادية.
يتضح مما سبق المرأة والمدينة بوصفهما عنصرا تجلي الكينونة بمكنونها وشكلها الثقافي، تفوق في درجة الأهمية والخطورة قضية الوطن والحقوق التي تؤسسها (المواطنة) ذات الطبيعة السياسية ظل الشعر أداة التعبير عنها المثلى، في حين تعلق حق المرأة دوما بالجانب الانساني ما فوق سياسي مرتبط إشكاله أكثر بدرجة الوعي المدني ومجتمعه الذي هو أوسع وأعلى من الوعي السياسي ومجتمعه.
من هنا يتضح أن أزمة الهوية في الوعي العربي هي في الأصل هوية المكان باعتبار المكان خاضع لسيرورة وصيرورة تطور التاريخ، فالتراث الذي عجز بفعل جمود العقل عن انتاج هويته، كانت المرأة لمركزيتها في موضوعات الحضارة المعاصرة، أبرز من كشف هاته الأزمة، علما بأنها (الازمة) أشمل من أن تقف عن حد قدمي المرأة بل إنها لتمتد لحضور ظل الانسان العربي وغربته في التاريخ.
بشير عمري
كاتب جزائري







Share To: