25 جويلية يوم فارِق في تاريخ تونس المعاصر و المباشر.يوم حمّالٌ لأفراح و لأتراح...فيه تَمَّ إعلان الجمهوريّة و إلغاء الملكيّة بُعيدَ الاُستقلال و فيه تمَّ اُغتيال الشّهيد الحاج محمّد البراهمي بُعيد الثّورة و في السّنة الماضية تُوفّي فيه الرئيس الباجي قائد السبسي و منذ يومين أعلن فيه الرئيس قيس سعيّد عن تدابير اُستثنائيّة دارَ حولها جدَلٌ كبير قانونيّ دستوريّ و سياسيّ و اُنقسم المتابعون بين مؤيّد و رافض و متحفّظ....أحاول في هذه القراءة تتبّع خيوط الأحداث لعلّنا نفهم معا ماذا حدث و لماذا و إلى أين؟؟؟

يوم 25 جويلية خرجت في أغلب محافظات الجمهوريّة خاصّة تونس و سوسة و صفاقس و باجة و توزر مظاهرات شعبيّة عارمة و عامّة كانت مُتوقّعة مُنذ حراك 17 جانفي الماضي الّذي كان بروفة لما حدث الآن ...هذه المظاهرات المتوقّعة سبقتها بعض المُناكفات و التوتّرات في ظلّ أزمة طاحنة شملت كلّ المجالات أهمّها اُرتفاع الأسعار و اضطراب تزويد السّوق بالموادّ الأساسيّة و ارتباك في تسديد الأجور 
و مطالبة حركة النهضة بالحصول على تعويضات لمنتسبيها عن سنوات المنفى و السّجون.

صباح و ظهر 25 جويلية توسّعت المظاهرات و تخلّلتها بعض أحداث العنف صحبتها اُقتحامات لمقرّات حركة النهضة الحزب الفائز في الانتخابات الأخيرة بأغلبيّة نسبيّة و أحد المكوّنات الأساسيّة للإئتلاف الحاكم....تسارعت الأحداث فاُتّخذ الرئيس تدابير استثنائيّة أهمّها إقالة رئيس الحكومة و تجميد عمل البرلمان و وعد بإصدار مراسيم لاحقة ...اِستند في ذلك إلى الفصل 80 الذي يسمح له اِتّخاذ تدابير استثنائيّة في حالة الخطر الدّاهم و هنا مربط الفرس لأنّ هذا الفصل غير دقيق تماما عن قصد سابق و هو شكل من أشكال الفصول الإرجائيّة و يحتاج إلى الاُحتكام إلى محكمة دستوريّة لم تنشأ بسبب عدم التوافق على أعضائها لأسباب سياسيّة لم تقرأ حسابا لهذا اليوم و هنا يصبح الرئيس الحاليّ هو المؤوّل الأوّل و القارئ الأوّل و الأب الأوّل و الضامن الأوّل للدستور...و حتّى إن لم يُعجبنا التّأويل فقد أُسقط في أيدينا فلا نستطيع اُتّهامه باُنتهاك الدستور ...بل أقصى ما نستطيع قوله هو أنّه تعسّف في تأويل الدستور أو اُستأثر بتأويله لكنّ ذلك دور التاريخ الآجل لا دور السياسيّ أو القانونيّ العاجل..
الدستور صامت لا ينطق و إنّما تنطق به صدور الرّجال..
الرئيس أوّل الدستور لصالح الشّعب و المتظاهرين الشباب 
و هذا ما لا ينازعه فيه أحد كان من كانَ.

تتالت الاحداث و أعلنت حركة النهضة عن اعتبار ما حدث انقلابا على الدستور و الشرعيّة و ربّما الحادثة الأولى في العالم العربيّ و العالم الثالث التي يُتّهم فيها رئيس مدنيّ مباشر لوظيفته و أستاذ قانون دستوريّ بالاُنقلاب على دستور هو حامبه و الأغرب أن يخرج بعد ساعات في حماية عاديّة لتحيّة الشباب الهاتفين باُسمه في شارع الحببب بورقيبة هذا الشارع الرمز الّذي أنهى حياة بن علي السياسيّة.
دعت حركة النهضة أنصارها إلى التجمّع أمام البرلمان دفاعا عنها و عن شرعيّتها و وقف رئيسها و رئيس مجلس النوّاب مع بعض زملائه أمام البوّابة الخضراء عند الفجر يتوسّل فتح الباب لكنّه لم يجد كلمة السرّ "افتح يا سمسم" و لم يُفتح له المجلس و الأغرب أنّه دخل في مجادلات عقيمة مع جنود بسطاء لا يُفترضُ أن تدور أصلا بين سياسيّ مُحنّك و مُجرّب 
و بين جنود شباب ينفُذون الأوامر...في المساء أعلنت الحركة عن سحب أتباعها القليلين حفظا لمصلحة تونس و ربّما حفظا لماء الوجه و انتظارا لجولات أخرى من الصّراع.

الأحزاب الوطنيّة انقسمت بين مؤيّد و رافض و مُتحفّظ...في 
الحقيقة لم تكن مواقفها واضحة لأنّها أُخذت على حين غرّة
و لأنّ كثيرا من الأحزاب لا تجعل مثقّفيها و مُنظُريها في الصفّ الأوّل...بعد ساعات اجتمع الرئيس بالمنظّمات الوطنيّة
على رأسها اُتّحاد الشّغل الفاعل الرئيسيّ في مثل هذه الأزمات و قدّم إليها تطمينات فأصدرت بيانا يبارك الشّعب 
و يحيّي المؤسّسة العسكريُة و يدعو إلى احترام حقوق الإنسان على رأسها حرّية التعبير و يدعو إلى اعتماد خارطة طريق.

إنّ ما حدث في تونس يعود إلى كلمة واحدة هي الفشل التامّ للطبقة الحاكمة في إدارة خلافاتها و في إدارة الشأن العامّ و في التحلّي بالحدّ الأدنى من الأخلاق السياسيّة..طبقة جمعت بين الفشل السياسيّ و الإنهاك الاقتصاديّ و التخبّط الصحيّ في إدارة جائحة الكورونا...طبقة سادها الفشل و النفاق و الشقاق و سعت إلى تحقيق مآربها بعيدا عن معاناة الشعب متحالفة مع لوبيّات تموّل حملات وصولها إلى حكم لم تَصُنهُ يوما...أيضا هذه الطبقة مُسنّة و نادرا ما استطاعت استقطاب الشباب..خاصّة أنّ المجتمع التونسيّ مجتمع شابّ...بينما الرئيس اعتمد في حملته خطابا بسيطا ركّز فيه على محاربة الفساد و الآصغاء إلى معاناة الناس فأصبح حالة طُهوريّة بامتياز..خاصّة عندما تجوّل في المقاهي و الأسواق و شارك البسطاء قهوتهم فشاركوه همومهم و أحلامهم.

نأتي الآن إلى سؤال: إلى أين أو ماذا بعد؟؟..و هذا أصعب سؤال لأنّي كمتابع بسيط لا أعرف ماذا سيقع غدا...لكن على الرئيس أن يلتزم بوعوده و أن لا تتجاوز مدّة التجميد شهرا و أن لا يبحث عن حيل دستوريّة لتأبيد الوضع المؤقّت و أن يرسم خارطة طريق واضحة تؤدّي إلى استئناف الحياة السياسية العادية مع ضرورة إيقاف الفاسدين و المفسدين 
و تحريك ملفّاتهم أمام القضاء مستعينا بالاُلتفاف الشبابيّ دون أن يتحوّل ذلك إلى عمليات انتقام من هذا الفصيل 
أو ذاك...بل الغاية خدمة تونس و تنقية السياسة من عبث المال.

في النهاية مشكلة تونس هي الفساد و أملها هو الشباب...حقّا لقد كان درسا ديمقراطيّا دستوريّا للجميع لكنّه كان مؤلما لبعض الأطراف...حفظ الله تونس.

**






Share To: